تهافت جريدة بلا أنياب أمام صلابة المغرب: قراءة عرجاء لتاريخ قائم على إمارة المؤمنين
(الجالية ترد على جريدة لوموند)
بقلم: زكية لعروسي
مرة أخرى تختار بعض الصحف الغربية أن تنظر إلى المغرب بعيون ضيقة، وأن تختزله في ثنائية مصطنعة بين ملك يواجه الإسلاميين، وكأن تاريخ المغرب كله لا يتجاوز هذه الزاوية المحدودة. جريدة لوموند مثال واضح على هذا المنطق الذي يريد أن يقرأ دولة عريقة بمنطق اللحظة والهاجس الإيديولوجي. غير أن المغرب أعمق من ذلك بكثير، فهو بلد راكم قرونا من الحكمة والتجربة، وصنع لنفسه استثناء خاصا لا يمكن أن تفهمه الأقلام المتعجلة ولا المحللون الغارقون في المقارنات السطحية.
منذ السطور الأولى لمقال لوموند يتضح القصد: عنوان مثير “الملك، الإسلام والإسلاميون”، ثم عبارة تختزل تاريخ أمة في ثنائية باهتة وكأن المغرب مجرد ساحة صراع بين عرش وإسلاميين. هذه النظرة تكشف ضحالة في فهم تاريخ عريق، وتعيد إنتاج كليشيه غربي قديم: حاكم مستبد من جهة، وإسلام سياسي طامع من جهة أخرى. غير أن المغرب ليس حقل تجارب نظرية، ولا أرضا سهلة للتركيبات الإيديولوجية. إنه كيان تاريخي فريد، خبر العواصف وتجاوز الفتن، وأرسى نظاما راسخا مبنيا على شرعية لم تعرفها المنطقة بنفس العمق: إمارة المؤمنين.
المغرب ليس حقل تجارب، ولا نسخة مصغرة من تجارب الشرق أو الغرب، بل كيان تاريخي له خصوصيته الفريدة، وقد بنى هذه الخصوصية عبر قرون من التجربة السياسية والاجتماعية والثقافية. من الدولة الإدريسية التي أسست إمارة المؤمنين، مرورا بالمرابطين والموحدين والمرينيين، وصولا إلى الدولة العلوية، كانت العلاقة بين السلطة الشرعية والدين ركنا أساسيا للحفاظ على الوحدة والاستقرار. هذه الشرعية التاريخية ليست “طقساً دِينيا” كما يزعم المقال، بل صمام أمان سياسي وإجتماعي حمى المغرب من الانقسامات المذهبية التي مزقت شعوبا أخرى في المنطقة.
إمارة المؤمنين عقد تاريخي ربط بين السلطة الروحية والشرعية السياسية منذ نشأة الدولة الإدريسية. بها حافظ المغرب على وحدته في وجه الغزوات، وبها تصدى للأطماع الاستعمارية، وبها نجا من صراعات مذهبية مزقت غيره.
محمد السادس لم يضف لقبا صوريا إلى ألقابه، بل حمل مسؤولية تاريخية ثقيلة: صون الدين من التوظيف السياسي، وحماية المجتمع من الفوضى الفكرية التي حولت الدين في دول أخرى إلى وقود للدمار. من يختزل هذه المؤسسة في “طقس ديني” يتناسى أن المغاربة لم يعرفوا حروبا طائفية ولا اقتتالات مذهبية، وأن الدين ظل عندهم عامل وحدة لا أداة فرقة، وذلك بفضل مؤسسة إمارة المؤمنين.
أما تصوير الإسلاميين في المغرب كخطر داهم على العرش فلا يعكس الحقيقة. الإسلاميون لم يهددوا يوما بقاء الدولة، بل كانوا جزءا من المشهد السياسي والاجتماعي: منهم من اندمج في المؤسسات كما حدث مع تجربة العدالة والتنمية التي انتهت إلى ذوبان سياسي، ومنهم من بقي في معارضة سلمية كجماعة العدل والإحسان. التحدي الأكبر للمغرب لم يكن أبدا وجود الإسلاميين أو الحداثيين، بل في بناء عدالة اجتماعية، وتحقيق تنمية شاملة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. هذه هي معركة المغاربة الحقيقية، أما ما تحاول لوموند تصويره فليس سوى إسقاط لأوهامها على واقع مختلف تماما.
الإصلاحات التي عرفها المغرب لم تكن منحة من فوق ولا صدقة سياسية، بل ثمرة تفاعل مجتمعي واسع. مدونة الأسرة جاءت نتيجة نضال طويل من المجتمع المدني والنسائي، وحُسمت بقرار ملكي شجاع لصالح التقدم والعدالة. محاربة الإرهاب لم تكن عملية أمنية فقط، بل رؤية فكرية وروحية أعادت الاعتبار لوسطية الإسلام المالكي المعتدل، حتى أصبح المغرب مرجعا قاريا وعالميا. لكن الصحافة التي تفضل الصور النمطية لا ترى إلا ثنائية “ملك قوي” و”شعب صامت”، في حين أن الحقيقة أن المغاربة أحياء، فاعلون، يشاركون في صياغة مستقبلهم، والملك ضامن لهذه الدينامية لا بديلا عنها.
وفي السياسة الخارجية تجاهلت لوموند إنجازات كبرى: المغرب أصبح رقما صعبا في إفريقيا، وبنى شبكة علاقات قوية مع أوروبا وأمريكا وآسيا، وحوّل قضية الصحراء إلى ملف محسوم لصالح سيادته. هذه نتائج رؤية استراتيجية بعيدة المدى جمعت بين الصرامة في الدفاع عن الوحدة الترابية والمرونة في بناء التحالفات.
يتضح إذن أن ما كتبته لوموند لا يقرأ المغرب كما هو، بل كما ترغب أن تراه: بلدا ينتظر “ربيعا وهميا” ليدخل الفوضى. لكن المغرب سبق أن أجاب منذ 2011 بأن الإصلاح ممكن من داخل المؤسسات، وأن التغيير يتم بالتدرج والحوار، وأن المستقبل يُبنى بالاستقرار لا على أنقاض الدولة. المغاربة لم ينخدعوا بالشعارات المستوردة، بل اختاروا طريقا خاصا بهم يحمي الوطن ويطور المجتمع في الوقت نفسه.
إن المشكلة في مثل هذه المقالات أنها توهم القارئ أن المغرب مجرد قصة ملك وإسلاميين، بينما الحقيقة أنه قصة شعب وملك ودولة. إمارة المؤمنين ليست لقبا شكليا، بل عقد تاريخي يفسر سر الاستقرار المغربي، وهي الجواب الصلب على كل من يحاول قراءة تاريخنا بعين الريبة أو الغربة.
المغرب ليس نسخة مكررة من تجارب الآخرين ولا ساحة لصحافة تبحث عن الإثارة. إنه وطن حي نسيته بعض الأقلام لقرون ثم تذكرته اليوم وهي عاجزة عن استيعاب حكمته. المغاربة يكتبون قصتهم بأيديهم، وهم أكثر من أي وقت مضى متشبثون بملكهم ومعتزون بسياسته الداخلية والخارجية لأنها تنبع من روح الأمة لا من إملاءات الخارج. لذلك فإن أي محاولة لاختزال المغرب في ثنائية ضيقة أو قراءة مشوهة ستظل وهما أمام حقيقة صلبة: المغرب أمة حية، وملك حاضر، وشعب صف واحد.
وفي الختام لا بد من التذكير أن الجالية المغربية المثقفة في الخارج لم تعد صامتة أمام هذه السرديات المغلوطة. أبناء المغرب في أوروبا وأمريكا يرون كيف تقدّم صورة وطنهم وملكهم في بعض الصحف، ويعبرون بصراحة عن رفضهم. لن نسمح بالمس بملكنا ولا بالعبث بوحدتنا. من يحاول خلخلة المغرب عبر الأقلام المغرضة لن يجد سوى شعبا متراصا خلف ملكه محمد السادس، أمير المؤمنين، نصره الله. المغرب وطن صلب، ملكه حاضر، وشعبه يقظ، أبناء الوطن المغتربون بباريس يرفضون أي محاولة للنيل من وحدة المغرب أو الملكية، ويعلمون أن بلادهم أقوى من أي مقال صحفي، وأن إستقرارها مستمد من إرث تاريخي يمتد قرونا، وليس من قراءة مغلوطة للحظة.

