الحقل الاجتماعي بالمغرب بين التقنين والممارسة .. تحديات وكفاءات مهدورة

0

الحقل الاجتماعي بالمغرب بين التقنين والممارسة .. تحديات وكفاءات مهدورة

عبدالاله العتوبي، باحث في علم اجتماع الهشاشة والحياة اليومية

يشهد الحقل الاجتماعي بالمغرب دينامية متسارعة في سياق التحولات التي تؤطرها اختيارات الدولة الاجتماعية. تعكس هذه الدينامية، من ظاهرها، إرادة تنظيمية لتقنين الفعل الاجتماعي وتأطيره عبر نصوص قانونية حديثة، إلا أن العمق يكشف توترات بنيوية بين الفعل والفاعلين الاجتماعيين، خصوصًا داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية التي أصبحت فضاءً مركزيًا لتقاطع رهانات التدبير، والسلطة، والكفاءة.

أتى القانون 14.05 ليضع إطارًا قانونيًا لضبط شروط فتح وتسيير هذه المؤسسات، بينما سعى القانون 65.15 إلى تنظيم العمل التطوعي التعاقدي وإدماجه ضمن منظومة التنمية. غير أن التفاعل بين هذين النصين في الواقع العملي أفرز مفارقات واضحة، تتجلى أساسًا في التداخل الوظيفي بين الجمعيات المسيرة بصفتها فاعلًا مدنيًا قانونيًا، والأطر المستخدمة التي يفترض فيها أن تمثل الذراع المهنية لتنزيل البرامج الاجتماعية وفق مقاربات علمية وتقنية.

من منظور سوسيولوجيا الهشاشة والحياة اليومية، لا تختزل الممارسة في النصوص القانونية، بل تعاد صياغتها عبر التفاعلات اليومية، والتمثلات، واستراتيجيات الفاعلين. الهشاشة لا تقتصر على الفئات المستهدفة بالخدمات الاجتماعية، بل تمتد إلى البنيات التنظيمية نفسها، حيث تتسم علاقات العمل باللااستقرار، وغياب التعاقد الواضح، والتذبذب في تحديد المسؤوليات.

ينتج عن ذلك هشاشة مزدوجة للأطر المستخدمة: هشاشة مهنية ناتجة عن غموض الوضع القانوني، وهشاشة رمزية مرتبطة بضعف الاعتراف بدورها داخل النسق المؤسساتي، ما ينعكس على قدرتها على الفعل والتأثير. وفي هذا السياق، يمكن استحضار تصور بيير بورديو حول الحقول الاجتماعية باعتبارها فضاءات للصراع حول الرأسمال والشرعية، إذ يتحول الحقل الاجتماعي إلى مجال تنافس بين فاعلين يمتلكون موارد متفاوتة.

الجمعيات المسيرة غالبًا ما تستند إلى رأسمال اجتماعي وشبكات علاقات تمنحها سلطة القرار، في حين تمتلك الأطر المستخدمة رأسمالًا معرفيًا وتقنيًا لا يجد دائمًا طريقه إلى الاعتراف المؤسسي، ما يؤدي إلى اختلال في توازن القوة داخل المؤسسة، ويجعل من التداخل في الاختصاصات آلية لإعادة إنتاج الهيمنة بدل أن يكون مجالًا للتكامل الوظيفي.

يتجسد هذا التداخل في الممارسات اليومية، بين تدخل أعضاء الجمعيات في مهام تدبيرية يفترض أن تكون من اختصاص الأطر المهنية، وتهميش هؤلاء في اتخاذ القرار، ما يفرغ مفهوم الحكامة من مضمونه، ويحوّل العمل الاجتماعي إلى فضاء للارتجال والتدبير الظرفي، بما يتقاطع مع تحليل إرفينغ غوفمان للحياة داخل المؤسسات، حيث تُبنى الأدوار الاجتماعية على منطق العرض والتمثيل أكثر من منطق الكفاءة والاحترافية.

من جهة أخرى، يطرح القانون 65.15 إشكالية إضافية تتعلق بحدود العمل التطوعي وعلاقته بالعمل المأجور، حيث أفرزت بعض الممارسات تداخلًا بين الصفتين، ما أسهم في إضعاف مأسسة الوظيفة الاجتماعية، وأدى إلى “تطبيع الهشاشة” في القطاع، إذ يُعوّض أحيانًا نقص الموارد البشرية المؤهلة بالاعتماد على متطوعين يفتقرون إلى التكوين الكافي.

في هذا الإطار، يصبح سؤال الكفاءة العلمية والاجتماعية محورًا أساسيًا لفهم أعطاب الحقل الاجتماعي، إذ لا يتعلق فقط بامتلاك الشهادات أو الخبرة، بل بمدى إدماج هذه الكفاءة ضمن منظومة الاعتراف والتقييم داخل المؤسسة. يشير التحليل السوسيولوجي للفعل، كما طوره آلان تورين، إلى أن الفاعلين الاجتماعيين يكتسبون قدرتهم على التأثير من خلال تحويل الموارد المتاحة إلى فعل منظم وهادف، غير أن هذه القدرة مشروطة بوجود بيئة تنظيمية داعمة، وهو ما يغيب غالبًا بسبب هيمنة منطق الشخصنة وضعف آليات الحكامة.

لتجاوز هذه الوضعية، يقتضي الأمر إعادة التفكير في العلاقة بين التقنين والممارسة، عبر تفعيل حقيقي لمضامين القانونين 14.05 و65.15، بما يضمن وضوحًا في توزيع الاختصاصات، ويكرس مبدأ التعاقد، ويعزز مكانة الكفاءة داخل منظومة التسيير والتدبير. كما يستدعي الانتقال من نموذج التدبير الجمعوي التقليدي إلى نموذج الحكامة الاجتماعية القائم على التخطيط والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإدماج الأطر المهنية كشريك أساسي في اتخاذ القرار.

في الختام، يقف الحقل الاجتماعي بالمغرب اليوم أمام مفترق طرق: إما تحويل التقنين القانوني إلى ممارسة مؤسساتية عقلانية تعزز الفعالية والعدالة الاجتماعية، أو الاستمرار في إعادة إنتاج اختلالات تجعل منه فضاءً للهشاشة بدل أن يكون أداة لمواجهتها. وكسب هذا الرهان لا يتم إلا بإعادة الاعتبار للفاعل الاجتماعي كذات فاعلة تمتلك الكفاءة والشرعية، وتشتغل ضمن إطار مؤسساتي واضح وعادل.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.