تهافت النواب على الأسئلة الشفوية ،الأسباب والنتائج !

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تهافت النواب على الأسئلة الشفوية ،الأسباب والنتائج !

دعونا في هذه المقالة للاستاذ محمد معتصم عنوانها : تأملات في ممارسة برلمان1977ـ1983 للاسئلة كأداة لمراقبة الحكومة.نقوم بإعادة قراءتها على ضوء الواقع الراهن والتعليق عليها .

المقالة ضمن مجموعة من المساهمات الفكرية الصادرة عن” دار توبقال للنشر ” ضمن سلسلة ” المعرفة الاجتماعية ” تحت اشراف الاستاذ عبد اللطيف المنوني، وهي الطبعة الاولى لعام 1985، تحت عنوان “التجربة البرلمانية في المغرب “l’experience parlementaire au Maroc.
و ضمن هذا العدد كتب مجموعة من الأكادميين المغاربة تناولوا بالتحليل التجربة البرلمانية المغربية منها مقالات للاساتذة: عبد الله الساعف، خالد الناصري، مصطفى السحيمي، الطاهر البحبوحي، الان كليس، وطبعا كل من الاساتذة عبد اللطيف المنوني ومحمد معتصم والأستاذ عبد الرحمن القادري والكبير فكري ومحمد المدني .

سنقوم من خلال هذا النص مواكبة الأستاذ الباحث وهو يقوم بعملية حفر معرفي لأسباب تهافت النواب المغاربة على الاسئلة الشفوية في الحياة البرلمانية المغربية خلال الفترة الفاصلة بين اكتوبر 1977 و9 ابريل من العام 1981، على ان الممارسة البحثية هنا وموضوع التاملات تغطي ولاية تشريعية هي بين 77 حتى 1983.

فيما سنقوم بعد ذلك بمحاولة مقابلة ما كان من الاستنتاجات التي خرج بها الاستاذ معتصم حول الأسباب ونتائج هذا التهافت، في النظام البرلماني المغربي بالموازاة مع ذلك مقابلته بالولاية التشريعية 2021-2026 هذا أولا ، ثم تتبع الأداء المأمول في ممارسات مراقبة الحكومة ودور مؤسسة التشريع في الخيار “الديمقراطي” للمغرب اذا جاز القول ذلك .

يعرف السؤال في الفقه الدستوري بحسب محمد المعتصم :« الفعل الذي بمقتضاه يطلب نائب برلماني من وزير ايضاحات حول نقطة معينة …التي تستهدف الحصول على استفسارات من الحكومة، وتنتهي بجزاء في شكل تصويت تثار فيه المسؤولية الوزارية» انتهى . في هذا الصدد وبالنظر إلى قيمة الاسئلة كأداة لمراقبة النشاط الحكومي ، فإن الدستور المغربي أوكل جلسة في كل اسبوع لاعضاء مجلس النواب وأجوبة الحكومة، وبحكم ان الفترة التي يتناولها محمد المعتصم تحيلنا على فصول من القانون الداخلي لمجلس النواب فيما يتعلق بالاسئلة الشفوية والكتابية ومسطرة ايداعها، واجال رد الحكومة عليها ومناقشتها وشروط تحويلها ضمن الولاية التشريعية 1977-1983 (انظر الفصول 106،107،108،109،110) ومن أجل استجلاب الكثير من المعطيات ، فإن الاستاذ المعتصم يفسر التهافت باعتباره ظاهرة وليدة الصدفة، بل تظافرت أسباب “دستورية وسياسية وسوسيو ـ سياسية” لافرازها، متسائلا حول هذا التهافت على الاسئلة الشفوية والكتابية بدون استعمال الوسائل البرلمانية الاخرى الأكثر نجاعة وفعالية لمراقبة أعمال الحكومة.

1ـ في الأسباب الدستورية تعتبر الاسئلة الى جانب اللجان الوسيلتين الأساسيتين المخولتين للبرلمان دون اثارة المسؤولية السياسية للحكومة، إلا انه في حالة ملتمس الرقابة وطرح الحكومة مسألة الثقة اللدين يعتبران التجسيدين الأبرز لمعايير تمييز النظام البرلماني عن غيره من الأنظمة الدستورية ، ولان ايداع ملتمس رقابة ضد الحكومة في الحالة المغربية ثم في وقت سابق رفع عدد التوقيعات فيه من العشر الى الربع بعد دستور 1962، مع اشتراط توافر اغلبية مطلقة لا مجرد نسبية على تحقيق احدى المهمتين :
ـ ملتمس للرقابة؛
ـ سحب الثقة من الحكومة طبقا للفصلين 74 و75 من دستور 1972، يقول محمد معتصم جمد هذا السلوك عمليا امكانية ممارسة هذه الوسائل لمراقبة الفعل الحكومي.

2ـ فيما يتعلق بالأسباب السياسية التي تصبح نتاجا موضوعيا للاسباب الدستورية ، ففي استحالة الوسيلة الأولى، فإن نموذج ضعف المعارضة اليسارية في القوة العددية للتركيبة البرلمانية خلال الأربع سنوات التشريعية الأولى اعطى اغلبية واسعة حينها مشكلة من 236 نائبا «حرا» و51 «استقلاليا» و44«حركيا» مقابل 16نائبا « اتحاديا» ، صارت الممارسة النيابية في الوصول إلى ايداع ملتمس رقابة ضد الحكومة مستحيلا من طرف المعارضة في غياب النصاب الدستوري والأغلبية المطلقة ومن تم اغلاق الباب أمام القوى اليسارية حينها وفتح الباب للاسئلة الشفوية كوسيلة وحيدة بيد هذه المعارضة لمراقبة الحكومة ( التهافت ). هذا دون القاء الضوء عن عدد الاسئلة ،طبيعتها، مضامينها، تجلياتها ، طبيعة تفكير الفرق البرلمانية في قيمة السؤال وجدواه؛ اذا تعلق الامر بنواب عن الاغلبية وهم يطرحون اسئلة عن وزراء من تياراتهم السياسية دون احراجهم طبعا، وهي اسئلة تتعلق بقضايا محلية خاصة، بخلاف مضمون اسئلة المعارضة اليسارية التي كانت ذات طابع وطني . يشير الاستاذ محمد المعتصم في كل هذا الخضم من عمر تجربة فاصلة في تاريخ المغرب بالنظر الى عدد الاسئلة الشفوية والكتابية بين المعارضة والأغلبية وحدود قيمتها وأهميتها، ووسط الزخم الذي سيتلو هذا الوضع، يرى معتصم بأن النواب المغاربة ساعتها لم يكونوا يهتمون بالسياسة الخارجية في اسئلتهم ضمن نفس مسار البحث في الظاهرة التي سبق الاشارة اليها وحدود الرؤية وحتى التهافت الذي غيب بنظره قضايا ذات أبعاد إقليمية في علاقة المغرب بالأسرة الدولية نموذجا، وهو ما سيجعل الملك الراحل الحسن الثاني يواخذ النواب لدى افتتاحه السنة التشريعية السادسة قائلا : « فلهذا حضرات النواب اقرأ وأسمع تدخلاتكم في البرلمان وفي اللجان، وإن كنت ساواخذ عليكم شيئا فساواخذ عليكم عدم اهتمامكم بنشاط المغرب من الناحية الخارجية ».

3ـأسباب سوسيو سياسية ،وهنا يقول محمد معتصم لابد من مقاربة الموضوع من خلال” علم الاجتماع السياسي” حول فهم وتحليل الأسباب العميقة لتهافت النواب المغاربة على الأسئلة الشفوية ، حيث ان النخبة البرلمانية توظف مفهوم” الحياد” ومعناه : ان اي برلماني سيتوجه إلى القبة مبلغا فقط عن تظلمات السكان مختزلا دورا أكبر مطلوبا منه ،فيختصر كل ذلك في رفع مطالب للحكومة عبر الاسئلة الشفوية (ذات الطبيعة الاشهارية بحكم ادراج الجلسات علنيا واداعتها عن طريق التلفزة والصحافة والراديو) ، وهنا يصبح النائب” محايدا ” غير متحمس للعمل التشريعي داخل اللجان أو مناقشة ميزانية أو مخطط اقتصادي، ويكاد يكون هذا السبب من خلال أدوات علم الاجتماع أكثر تبريرا للحياة البرلمانية اليوم حول مفهوم التهافت، لانه يخدم بطبيعة الحال النواب واداعتهم وشهرتهم ويجعل من التهافت وسيلة وغاية أكثر منه ادورا لمراقبة الحكومة بشكل حيوي.
في المحصلة فإن هذا التهافت بنظر الاستاذ المعتصم رافقه تراكم للاسئلة الشفوية وتأخر الاجابة، ودخلت النقاشات من باب واسع للتأويل حول كيف السبيل الى الإجابة عن هذا الكم الهائل الذي يجب ايجاد حل له، والا فإن التجربة البرلمانية ستصطدم بالدستور ، فكان من بوادر الحل اتخاذ مكتب رئاسة المجلس سلسلة اجراءات بتوجيه نداء للنواب بتحويل اسئلتهم الشفوية المحلية الى اسئلة كتابية ابان انعقاد دورة المجلس، لكن هذه الممارسات كانت بنظر الكثير مجانبة لروح النص الدستوري وحرية النقاش داخل القبة، مما سيضع ولاية بكاملها في فصل من” التجريب والتأويل جراء حالات تراكم الاسئلة وامتحان فصول القانون الداخلي ووضعها على طريق ثالث هو محاولات تقنين المناقشة وتاخر الحكومة بالاجوبة، ومن ثم التغيب عن جلسات الاسئلة الشفوية ، ويتحول الى اعراض سياسي يقول المعتصم للاسباب المشار اليها سابقا، وبات بالتالي التهافت على السؤال الشفوي يمثل جوهر العمل البرلماني عوض العمل في اللجان او دراسة المخططات والميزانيات .

ينهي محمد المعتصم مقالته بتوكيد الاسباب الكامنة في ماهو دستوري وسياسي وسوسيو سياسي في تجليات الممارسة البرلمانية ل 77 الى 83 ، واعتبار الاسئلة فقط الاداة الممكنة لمراقبة الحكومة، مشبها الدور بما كانت تلعبه “وزارة الشكايات” في مخزن نهاية القرن الماضي ، لكن بالمقابل يعتبر حسنات ممارسة برلمان 1977 ـ1983 في موضوع الاسئلة كاداة لمراقبة الحكومة، على انها حقبة افرزت تراكما هائلا من التجارب والمساطر اغنت الحياة البرلمانية المغربية بتدريبها على هذا النوع من الوسائل ومحاولات الاجتهاد من اجل حياة سياسية رائدة وصل فيها الامر خلال مقارنة معتصم بين ما كان عليه وضع اكتوبر 1977 الى ابريل 1981، من خلال احصاء عام للاسئلة من قبل” مصلحة الاسئلة الشفوية والكتابية بالمجلس”، اننا اكثر تهافتا بخلاف فرنسا التي يطرح فيها النواب والشيوخ سنويا حوالي ستة الاف سؤال كتابي مقابل بضع مئات شفوية، بينما النواب المغاربة قدموا 709 سؤالا شفويا و 563 كتابيا ، مما يفسر من خلال الباحث ان هناك تضخما ملاحظا يدل على وجود ما يمكن ان نسميه بظاهرة التهافت.

الاشكالات الطارئة المهمة هنا بالنظر الى اعتبار ما سلف قد طور جزءا من الممارسات البرلمانية، وغير من مواعد الخميس الى الثلاثاء، جلسة علنية للتداول في الاسئلة وتدابير معاقبة البرلمانيين المتخلفين عن الدورات، واعتبار القضايا الطارئة والمستعجلة ذات الأسبقية وكل ما حدث منذ 1977 من امتحان مواد وفصول تتعلق بالقانون الداخلي للمجلس ،الذي اصطدم مرارا بالدستور وهو يريد اعطاء ابعاد لتلك الحياة . التي لم تخرج مواضيعها عن قضايا جزئية من قبيل ( جوزات السفر، مشاكل مواطنين مهاجرين ) او قضايا وطنية ( مشكل التجارة، كهربة البوادي، الأزمة الخانقة التي تواجه وكلات النقل الحضري، الخدمة المدنية ، ارتفاع الاسعار، مشاكل التعليم … ) او محلية من قبيل ( التربية، الفلاحة ،التجهيز، السكنى ).

فهل التجربة البرلمانية اليوم قد استفادت من زخم وغنى الماضي وجرأة بعض النواب امثال ( علي يعتة ) في فهم ما اختلط من محاولات جعل القانون الداخلي أحيانا فوق الدستور، والنداء بضرورة عدم تفسير الدستور بالقانون الداخلي، واعطاء مساحة أكبر للحرية والحوار الديمقراطي ، وان لا يتحول النائب بوضعه للسؤال لغاية وحيدة هي :« ان تتكلم عليه أجهزة الاعلام » (راي رئيس فريق الاصالة “الحركي ” المنضوي تحت لواء الاغلبية، 1977ـ1983)؟

وهل يمكن اعتبار ازمة الانتقال الديمقراطي الحقيقية التي لم يشهدها المغرب بحكم ان المؤسسة التشريعية بدون الحديث عن اسهاماتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وغيره لم تتمكن من امتلاك أساس ديمقراطي متين، صعب مهمة النواب بالمعارضة او الاغلبية في إمكان سحب الثقةأو ملتمس الرقابة الذي يرهن بالفعل واقعا برمته يشتكي غياب آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة ونزاهة الفعل السياسي، ودوران النخب، ويؤثر عن الوعي السياسي ودور الأحزاب في التأطير والتكوين الفصل 7 من الدستور، ويرهن في كل ولاية واقع المغاربة بمحدودية قدرة النواب عن المراقبة التي هي “دينامو ” أي تنمية واستقلالية موافقة للتقدم والازدهار والديمقراطية الحقيقية، والتنافس الحقيقي، وينسحب على أهمية المشاركة في الانتخابات وجعل الفعل السياسي برمته مقبولا وغاية موضوعية للاصلاح والتغيير، لأنه بالنتيجة لا ينفع برلماني حضوره ولا نظافته ولا غيرته مهما كانت في جو معد سلفا إلى الابقاء على البرلمان بعيدا عن منطق حياة تساءل الفاعل السياسي في شخص الحكومة حينما يمتلك النواب كل الأدوات لمراقبتها ، ويعطي لجوهر النقاش واقعا آخر ، لذلك فإن غياب البرلمانيين عن جلسة الأسئلة سواء التي طرحوها أو حولوها إلى مكتوبة بدل أن تكون شفوية له ما يبرره ، وهو تعطل إمكانية الجواب في إبانه، وقيمة الجواب اذا لم يكن يحتكم بالفعل الى روح للتفاوض والمسؤولية التي تبدأ تصاعديا من زقاق صغير صوت لفائدة نائب …هبوطا من الأعلى بسياسات ذات جودة وقيمة تصيب نتائجها ذلك المواطن، بذلك الزقاق مرة اخرى . في تناغم تام يهيء المجتمع الى التعويل عن السياسة في تغيير كل أوضاعه من سؤال الغلاء الى الرفاهية .ففي منح وسحب الثقة من الحكومات بما يخوله الدستور والقانون، فإن كل مفاصل الحياة السياسية ستشتغل بصدق وحيوية ونزاهة وشفافية ونظافة وإحساس ونكران للذات وضمير ، وهي الصفات التي افرغت منها معاني نفس تلك الحياة وبات الجميع يبحث هنا وهناك عن حل او تحكيم …!

صبري يوسف، اعلامي ،كاتب رأي ، طالب باحث بسلك الدكتوراه بعلم الاجتماع السياسي.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!