بين الطوابق العليا والواقع المعيشي… حين تتكلم الأرقام ويصمت الألم

0

بين الطوابق العليا والواقع المعيشي… حين تتكلم الأرقام ويصمت الألم

محمد معراد

في الطوابق العليا من القرار، تُصاغ السياسات بلغة الأرقام والنِّسب والمؤشرات، حيث يبدو العالم قابلاً للقياس والاختزال في جداول دقيقة. لكن في الطوابق السفلى، حيث يعيش الناس تفاصيل يومهم، لا تُقاس الحياة بالمعادلات، بل بالإحساس المباشر بالكرامة أو فقدانها، وبالقدرة على العلاج أو الانتظار، وبفرص العمل أو انسداد الأفق.

بين هذين العالمين تتشكل فجوة ليست تقنية فقط، بل فلسفية في جوهرها؛ فجوة بين رؤية تعتبر الإنسان رقمًا في معادلة، ورؤية تعتبره تجربة حيّة لا تُختزل. وهذه المسافة هي ما يُنتج في كثير من الأحيان خطابًا سياسيًا يبدو عقلانيًا ومتماسكًا، لكنه حين يُعرض على الواقع يفقد اتزانه، لأنه صيغ في فضاء مختلف عن ذلك الذي يُعاش فيه.

في مناطق مثل أكزناية وما جاورها من الجماعات القروية والجبلية، لا تحتاج هذه الفجوة إلى تحليل نظري طويل، بل تظهر في أبسط تفاصيل الحياة اليومية. قد تتحدث التقارير عن تحسن في البنيات التحتية، بينما يظل جزء من الساكنة يقطع مسافات طويلة للوصول إلى خدمات صحية أساسية. وقد تُعلن برامج عن دعم التنمية المحلية، بينما تظل فرص الشغل محدودة، فيغادر الشباب نحو المدن بحثًا عن ما لا يجدونه في محيطهم.

هنا لا يتعلق الأمر بإنكار المشاريع، بل بطرح سؤال أعمق: هل تُقاس التنمية بوجود المشاريع أم بقدرتها على تغيير حياة الناس فعليًا؟

في أكزناية، كما في كثير من المناطق الهامشية، يتجلى هذا التناقض بوضوح. قد يُنجز مشروع أو تُعبَّد طريق، لكن السؤال الذي يطرحه السكان ليس فقط: ماذا أُنجز؟ بل: ما الذي تغيّر في حياتنا اليومية؟

حين تظل مسافة الوصول إلى المدرسة أو المستشفى أو العمل كما هي في الوعي اليومي للناس، يصبح الفرق بين الأرقام والواقع فرقًا جوهريًا لا شكليًا.

المشكل ليس دائمًا في غياب الإرادة، بل في زاوية النظر نفسها. فحين تُدار السياسات من الأعلى، يُنظر إلى المجال كخريطة، بينما يُعاش في الأسفل كحياة معقدة لا تختزلها الخطوط. لذلك يبدو أحيانًا أن بعض الخطابات السياسية تتحدث عن مجتمع لا يشبه المجتمع الذي يعيشه الناس فعليًا.

إن أخطر ما في هذه الفجوة أنها لا تُنتج سوء فهم فقط، بل تُنتج فقدانًا تدريجيًا للثقة. فحين لا يرى المواطن انعكاس ما يُعلن عنه في حياته اليومية، يبدأ في التمييز بين خطاب التنمية وواقعها، وبين الوعود والتجربة المعيشة. ومع الوقت، تتآكل العلاقة بين المواطن والمؤسسات، ليس بسبب حدث واحد، بل بسبب تراكم صغير ومتواصل للفجوة بين الأعلى والأسفل.

إن تجاوز هذه الإشكالية لا يكون بزيادة البرامج أو تحسين الإحصائيات فقط، بل بإعادة بناء زاوية النظر نفسها؛ بحيث تُقاس السياسات بمدى أثرها على تفاصيل الحياة اليومية، لا فقط بمدى انسجامها مع التقارير. فالمجتمع لا يُدار بالأرقام وحدها، بل بفهم عميق للواقع كما يُعاش لا كما يُعرض.

في النهاية، تبقى المسافة بين الطوابق العليا والطوابق السفلى ليست مكانية فقط، بل اختبارًا دائمًا لصدق السياسة نفسها: هل تُنتج واقعًا أفضل، أم تكتفي بوصفه؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.