أم الخير  ذاكرة قرنٍ من الزمان في انتظار عدالة الوطن

0

أم الخير  ذاكرة قرنٍ من الزمان في انتظار عدالة الوطن

محمد الدفيلي:

يحكى أن الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – كان يتفقد الرعية ليلًا، فسمع صوت بكاء أطفال في بيت متواضع، فاقترب ليستمع لما يجري. سمع أمهم تقول لهم: اصبروا، غدًا يأتي الفرج.

عندما استفسر، علم أن الأطفال جائعون، وأنها تغلي قدرًا به ماء وحجارة فقط لتهدئتهم حتى يناموا. بكى عمر، وذهب بنفسه إلى بيت المال، وأخذ كيسًا من الدقيق، وحمله على ظهره. عندما عرض عليه خادمه أن يحمله عنه، قال له: أتحمل عني وزري يوم القيامة؟

وصل إلى المرأة، وبدأ بنفسه في إعداد الطعام للأطفال حتى أكلوا وشبعوا، ثم جلس يراقبهم وهم يضحكون ويلعبون قبل أن يرحل، وهو يقول: يا عمر، من يلي أمر المسلمين ولا يهتم بهم، فليس منهم!”

أما الصحابي عبد الله بن عمر – رضي الله عنه –كان يخرج ليلًا يحمل الطعام على ظهره ويوزعه على الفقراء دون أن يعرفوه. وعندما مات، افتقد الفقراء ذلك الشخص الذي كان يأتيهم في الظلام، فعلموا أنه كان عبد الله بن عمر!

وفي وقت الجفاف بالمدينة المنورة، احتكر التجار بئر “رومة” ورفعوا أسعار الماء، فاشتكى الناس إلى الخليفة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – فاشترى البئر من ماله الخاص، وفتحها للناس مجانًا، قائلاً: اجعلوها صدقة جارية للمسلمين.”

تلكم حكايات عظيمة لصحابة رسول الله ﷺ، الذين أخذوا على عاتقهم رفع معاناة المحتاجين، تملأ تاريخنا الإسلامي، تذكرنا بالمواقف العظيمة تجسيدًا للعدالة والمساواة، والحفاظ على كرامة الإنسان.، تدعونا اليوم للتفكر في حال كثير من الناس الذين يعيشون في هامش المجتمع. ومن هؤلاء، “أم الخير” التي تجاوزت المائة عام، في أحد دواوير إقليم الرحامنة، تعيش في معاناة يومية، تنتظر من يلطف بها.

أم الخير ذاكرة قرنٍ

احترامًا لشخصها وأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها عالميًا، فقد غيرنا الاسم الحقيقي لشخصية هذه القصة الصحفية واخترنا لها اسم “أم الخير”، مع ذكر دلالات جغرافية لكي تستدل إليها مؤسسات الدولة والجمعيات الخيرية أو لعموم ذوي الخير، لمن أراد مساعدة هذه المرأة الشامخة الأبية.

في أحد دواوير جماعة انزالت لعظم إقليم الرحامنة، حيث تمتد الحقول الجافة وتتلاشى معالم الزمن، تعيش “أم الخير”، امرأة تجاوزت المائة عام، وحيدة في حجرة منزل متداع متراكب الأحجار، لا يرافقها سوى صمت السنين وصدى ذكرياتها التي تمتد لعقود طويلة، حاكت خلالها أحداثًا صنعت تاريخ المغرب، ومذياع صغير يؤنس وحشتها.

كانت يومًا قوية لا تطلب من أحد شيئًا، لكن عجلة الزمن دارت، وسلبتها القدرة على المشي، حتى باتت حبيسة الفراش، تنتظر من يجود عليها بلقمة العيش أو قطرة ماء.

الزهد في الحياة والعطاء رغم الحاجة

أم الخير ليست مجرد عجوز تنتظر الإحسان، بل هي مدرسة في الزهد والرضا. رغم فقرها المدقع، لم تتوقف يدها عن العطاء، فما يأتيها من طعام أو صدقات تقسمه وتتصدق منه، خاصة على الأطفال الذين يزورونها بين الفينة والأخرى، كأنها أم تحتضن براءتهم رغم حاجتها.

تحكي لمن يزورها عن أيام مضت، حين كانت الصحة حليفها والقوة سندها، فتقول بأسى: “فين دوك الأيام؟  الصحة غرارة..”.

تروي بحنين وإعجاب عن أيام كانت فيها البلاد تخوض معاركها الكبرى، عن سلاطين المغرب الذين مروا من إقليم الرحامنة، عن نفي السلطان محمد بن يوسف، وعن فرحتها العارمة يوم عاد إلى الوطن. لم يغب عن ذاكرتها يوم دعا الملك الحسن الثاني إلى المسيرة الخضراء، فتصف ذلك الشعور الذي اختلج صدرها يومها كأنه حدث أمس.

أم الخير ذاكرة قرنٍ

حياة منسية في وطنٍ يتحدث عن التكافل الاجتماعي

لكن وسط هذا الزخم من الذكريات، يبقى الحاضر أكثر قسوة. فبعدما قضت ثلاثة أعوام لم تعد قادرة فيها على الذهاب إلى السوق الذي لا يبعد عن سكناها سوى كيلومترين او ثلاث، باتت تعيش على إحسان الجيران وبعض المحسنين العابرين. أما السلطات المحلية، فعيونها ترى كل شيء الا ان ترى حالة أم الخير، رغم الشعارات الرنانة وخاصة منها شعار الدولة الاجتماعية.

الأنكى من ذلك أن أحد أعوان السلطة، برتبة شيخ تابع لقيادة لوطا، في السنوات الأخيرة وخاصة هذه السنة ،حاول أكثر من مرة  حرمانها من حصتها السنوية من القفة الرمضانية التي تنظمها مؤسسة محمد الخامس للتضامن، بحجج واهية حسب معلومات متطابقة لدينا. أما القفف التي تُوزَّع انتخابيًا، فلم تُدرج في لوائح المستفيدين منها، لأنها ببساطة ليست صوتًا انتخابيًا يعوَّل عليه!

وهنا يتساءل كل من يعرف قصتها: أليست الإنسانية فوق كل القوانين الإدارية؟ أين هي روح الإسلام التي علّمنا إياها سيدنا عمر بن الخطاب، حين كان يحمل الدقيق على ظهره للفقراء؟ أين نحن من حديث النبي ﷺ: “ليس منا من بات شبعان وجاره جائع”؟

عجوز تمتلك ذاكرة نبوءات

إلى جانب كونها ذاكرة حية للتاريخ، فإن أم الخير تمتلك قدرة فريدة على التنبؤ بالأحداث. فقبل الحجر الصحي العالمي بسبب جائحة كورونا، رأت ذلك في رؤيا وحكته لمن حولها، ثم تحقق ما قالت. وقد تكررت رؤاها مرات عدة، فتحدثت عن أشياء كثيرة سبقت وقوعها، مما جعل من يعرفونها يقفون مشدوهين أمام قوة إحساسها ورؤيتها العميقة لما يجري حولها.

صرخة في وجه النسيان

قصة أم الخير ليست مجرد حكاية عجوز تقاوم النسيان في زاوية معزولة، بل هي مرآة تعكس واقعًا قاسيًا يعيشه الكثير من المسنين والمحرومين في بلادنا. هي صوت صارخ يسائل ضمير الوطن: كيف يُترَك شخص مثلها، يحمل ذاكرة وطنٍ بأكمله، ليصارع الجوع والمرض وحيدًا؟ كيف ننام مطمئنين بينما أم الخير وأمثالها ينتظرون لقمة باردة أو يدًا تمتد إليهم؟

إنها صرخة في وجه اللاعدالة، في وجه القوانين العمياء التي لا ترى إلا الوثائق الرسمية، ولا تعترف بمن لا يملك بطاقة انتخابية. إن كان بعض البشر قد نسوها، فهل تنساها الدولة؟ وهل يخذلها الوطن الذي عاشت أكثر من قرنٍ تحبه وتروي حكاياته؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.