المغرب بين الجفاف البنيوي وسوء تدبير الثروة المائية
بقلم: عبد الهادي الموسولي
عندما كان الجميع منشغلاً بدوران كرة القدم، كانت الكرة الأرضية قد دارت دورة عطف وحنان، وأدخلت المغرب في حضن اضطراب جوي رطب وسخي. وعندما كنا نتابع اللعبة اللعينة، كانت السماء تلعب مع أرض المغرب أحلى لعبة… سقوط المطر في فصل الشتاء.
كنا نكرم الوفود، فكانت وفود السحاب تجود علينا بسخاء. غادر الضيوف وتنكروا لقرانا ورفادتنا، وحده السحاب ظل وفيًا، يجبر خواطرنا ويطرب مسامعنا، حتى أغرقنا في جوده وكرمه.
أنشأنا الملاعب التي لا تغرقها المياه، وتركنا مدنًا بحالها تغرقها المياه. ولسان الحال يقول: ليتنا بنينا السدود لتخزين هذا الكم الهائل من مياه المطر، واستغلال هذه المنحة الإلهية أحسن استغلال.
لقد كشفت الأمطار الاستثنائية الأخيرة أن السياسة المائية بالمغرب تُدار بطرق تقليدية لا تساير حجم التطور الذي يشهده المغرب، سواء من حيث الضغط الديمغرافي أو من حيث سير التنمية الاقتصادية. كما أن التغيرات المناخية تفرض نظرة جديدة لتعبئة الموارد المائية المتاحة.
فكمية الأمطار التي تهاطلت على الجزء الشمالي الغربي من المغرب، كان الأجدر أن تجد سدودًا كبيرة تحتويها، بدل أن تصب في البحر.
ومن أجل تعبئة الموارد المائية، لا بد من ثلاث إجراءات ضرورية وسريعة:
الإجراء الأول: يتم عبر بناء سدود احتياطية في حوضي اللوكوس وسبو، لتخفيف الضغط على سدي واد المخازن وسد الوحدة.
الإجراء الثاني: يتمثل في سياسة ربط الأحواض المائية، كما حدث مؤخرًا بين حوضي سبو وأبي رقراق، حيث يتوجب على الدولة أن تحيي الربط بين حوضي سبو وأم الربيع، الذي همشته مجموعة من الحكومات منذ تسعينيات القرن الماضي.
الإجراء الثالث: يقوم على إنشاء مجموعة من السدود الكبيرة في الأحواض المائية لكل من تانسيفت وسوس ودرعة، أسوة بما تم إنشاؤه في الجنوب الشرقي.
وتفرض تعبئة الموارد المائية في المغرب نظرة جديدة لاستغلال المجال الفلاحي، حيث يتوجب على الدولة مراقبة حفر الآبار وعدم تجاوز عمق يسمح بتجدد المياه، وتزويد الفلاحين بتقنيات الري الحديثة، وإجلاء نشاط مقالع الرمال عن الأودية التي تتشكل فيها الأنهار خلال الفصل الممطر.
كما ينبغي تنويع الأنشطة الفلاحية وتخصصها المجالي، حيث يجب تدخل الدولة لمنع الأنشطة الزراعية القائمة على السقي في الجبال، لضمان تدفق العيون والأنهار، وتعويضها بأنشطة صديقة للمجال الجبلي، كالرعي المعقلن، وتربية النحل، والسياحة القروية التضامنية، كما هو الحال في وادي أوريكة. بينما تُترك الأنشطة الزراعية للسهول والأراضي المنخفضة.
ومن جهة أخرى، يجب على المجتمع المدني أن يبعث التراث المائي للمغرب، مثل إحياء ثقافة “الضايات”، حيث كان كل دوار يملك ضاية أو مجموعة من الضايات، تستمر في توريد المواشي وغسل الأغراض المنزلية إلى بداية الصيف. كما ينبغي تخزين المياه في “المطفيات”، التي أكدت الدراسات أنها تحفظ المياه أفضل من السدود الصغيرة الحجم، والإكثار من بناء العوارض والحواجز المائية لتسهيل تسرب المياه إلى السديمة الجوفية.
كما يمكن استغلال الشقوق والفجوات التي أحدثها زلزال الحوز في القشرة الأرضية، لملئها بمياه الأمطار، وتحسين جودة المياه الجوفية.
من شأن هذه الإجراءات أن تحسن المخزون الاستراتيجي من المياه بالمغرب، وقد نمر من تخزين 20 مليار متر مكعب، في حالة ملء السدود بالكامل، إلى ضعف هذه الثروة في حال استمرار المواسم الممطرة خلال العامين المقبلين، الشيء الذي يجعل الدولة لا تلجأ إلى تحلية مياه البحر إلا عند الضرورة القصوى، لما لها من أضرار بيئية، كصعوبة التخلص من الملح والتأثير على الحياة البحرية.

