أفكار الحركة النسوية تحرم صحفية بريطانية من الحياة الأسرية

0

أفكار الحركة النسوية تحرم صحفية بريطانية من الحياة الأسرية

بقلم: عبد المجيد النحكامي

أثار مقال للصحفية البريطانية Kate Mulvey نقاشًا واسعًا في عدد من المنصات الإعلامية، بعدما كشفت فيه عن مراجعة شخصية مؤلمة لمسار حياتها، معترفةً بأنها تشعر بالندم على بعض الأفكار التي تبنتها في شبابها تحت تأثير موجة من الخطاب النسوي السائد آنذاك.
وفي قراءة لهذا المقال، يتوقف الكاتب عند دلالات هذه الشهادة الشخصية وما تطرحه من أسئلة حول العلاقة بين الرجل والمرأة، ومكانة مؤسسة الأسرة في المجتمعات المعاصرة.

وتحكي مولفي في مقالها أنها كانت تتباهى أمام الرجال، ليس بجمالها كما قد يُظن، بل بإظهار ندّيتها لهم وقدرتها على منافستهم فكريًا وفرض آرائها عليهم. وقد انشغلت بالقراءة والاطلاع إلى درجة جعلتها، بحسب اعترافها، تفتقر أحيانًا إلى ما يقتضيه الذكاء العاطفي من لباقة في التعامل مع الجنس الآخر.

وتقول إنها أدركت متأخرة أن أحد أسباب وحدتها كان تأثرها العميق بشعارات الحركة النسوية، شأنها في ذلك شأن كثير من نساء جيلها. فقد جعلت مثُل الموجة الثانية من الحركة النسوية العديد من النساء ينفرن من الزواج والحياة الأسرية، وينظرن إلى الرجال باعتبارهم خصومًا ومنافسين، لا شركاء حياة.

وتعترف مولفي بأنها، رغم النجاح الذي حققته في مسيرتها المهنية ككاتبة ومذيعة، ضيّعت حلمًا دفينًا في داخلها يتمثل في الزواج وإنجاب الأطفال والعيش في الريف. وتضيف أن علاقاتها العاطفية بقيت عابرة، أطولها لم يتجاوز ثماني سنوات، دون أن تنتهي إلى زواج.

وتعود بداية تأثرها بالفكر النسوي إلى سن السابعة عشرة، عندما كانت تدرس في إحدى المؤسسات التعليمية المرموقة في بريطانيا. وهناك تابعت مع صديقاتها رموز الحركة النسوية مثل Germaine Greer و**Betty Friedan**، اللواتي اشتهرن بمواقفهن الراديكالية، ومن بينها الاحتجاجات الرمزية كحرق حمالات الصدر، وانتقاد الأدوار التقليدية للأسرة والعمل المنزلي، ورفع شعار يدعو النساء إلى «التصرف مثل الرجال».

وتروي مولفي أنه في سن الخامسة والعشرين، وبعد إتقانها اللغتين الفرنسية والإيطالية، كانت تعتز بذكائها وتسعى إلى استعراض قدراتها الفكرية أمام الرجال. وكانت تجد متعة في قراءة أعمال الفيلسوف الألماني Friedrich Nietzsche، معتبرة أن ذلك يعزز شعورها بالقوة والتحدي داخل النقاشات والمحاضرات.

غير أنها تعترف اليوم بأن تلك القوة الظاهرة كانت تخفي وراءها مشاعر رقة وضعف لم تكن تسمح لها كبرياء المنافسة بإظهارها.

كما عبّرت عن ندمها على العلاقات الجنسية العابرة التي خاضتها في شبابها، مؤكدة أن تلك التجارب كانت غالبًا ما تنتهي بإحساس عميق بالفراغ العاطفي، وبشعور بأنها كانت مجرد تجربة عابرة في حياة بعض الرجال.

وترى مولفي أن تشجيع بعض أوساط جيلها على ما يسمى «الحرية الجنسية» لم يكن في صالح النساء دائمًا. وفي هذا السياق تستشهد بكتاب A New Guide to Sex in the 21st Century للكاتبة البريطانية Louise Perry، الذي يناقش الآثار السلبية للفوضى الجنسية ويدعو إلى إعادة الاعتبار لقيم العفة والاستقرار الأسري.

وفي ختام مقالها، تبدو مولفي مترددة؛ فهي من جهة لا تستطيع التخلي تمامًا عن الأفكار النسوية التي تشكلت في وعيها منذ شبابها، ومن جهة أخرى لا تستطيع إنكار رغبتها القديمة في حياة أسرية مستقرة.

وأمام هذه الشهادة الشخصية المتأخرة، يطرح الكاتب جملة من التساؤلات: كم من النساء في مجتمعاتنا قد يكتشفن لاحقًا ما تصفه هذه الكاتبة بـ«السراب»؟ وهل يمكن لمجتمع أن يستخف بمؤسسة الزواج والأسرة دون أن يدفع ثمن ذلك على مستوى تماسكه الاجتماعي؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.