ما خطة “المنتخبون” في مواجهة الأزمات العصرية (المناخية، الرقمية، الشبابية)؟
صبري يوسف – كاتب رأي وباحث في سلك الدكتوراه في علم الاجتماع السياسي والتنموي
قبل الخوض في تحليل هذا الواقع السياسي المتشابك والمليء بالأسئلة المقلقة، لا بد من التوقف عند ملاحظة أساسية: إن ما نعيشه اليوم من تحولات سريعة لا ينسجم كليًا مع الورقة التنموية الجديدة التي ترفعها الدولة المغربية، وهي ورقة تطمح إلى ما هو أبعد من مجرد إصلاحات محدودة نحو بناء دولة رفاه حقيقية، قائمة على الوعي والمعرفة والمسؤولية.
لكن، أين هي هذه النخبة التي يُفترض أن تتولى قيادة هذا التحول؟ ما شروطها؟ كيف تتشكل؟ وما مرتكزاتها؟ ثم ما الذي يمكن أن يُنتظر من نخبة سياسية تنتمي إلى زمن محافظ كلاسيكي لتجد نفسها فجأة أمام عالم جديد تحكمه الأزمات المناخية والرقمية، وتُدار قضاياه بالعلم والمعرفة لا غير؟
لسنا هنا بصدد التنظير للأحزاب السياسية أو إعادة توصيف الحقل السياسي المغربي، فقد سبق أن تناول ذلك مفكرون وأكاديميون مغاربة بعمق في قراءاتهم لـ”البضاعة السياسية” ولمن “يتبضعون” فيها.
لكن، لنتجاوز التنميط المألوف ونفكر خارج الصندوق، بطرح سؤالين جوهريين:
ما الحاجة إلى الأحزاب في المغرب اليوم؟
وكيف يتحول فرد يفتقر إلى الكفاءة إلى مدير حملة انتخابية، عاجز عن إعداد برنامج تنافسي أو تقديم حلول واقعية لأي معضلة؟
الجواب بسيط ومؤلم في الوقت نفسه: لا يزال المواطن المغربي – في أغلب الحالات – غير مكترث بالبرامج الانتخابية، لا يقرأها ولا يعتمدها معيارًا لاختياره السياسي. كما أن السياسي بدوره لا يهتم بكفاءته ولا ببرنامجه، لأن “القبيلة” و”العائلة” و”التمثلات الاجتماعية” ما تزال تُغنيه عن عناء التفكير في البرامج أو وضع تصورات تنموية.
فالدولة، في صيغتها العصرية الحديثة، لم تكتمل بعد؛ إذ ما تزال رواسب الماضي تفرض حضورها من خلال بنى تقليدية تظهر وتختفي في تناوب غريب: سلطة العشيرة والأسرة، مؤسسات الحرس القديم (المحسوبون على الزوايا والأضرحة، نبلاء القرى، أصحاب العزيب والورثة)، اللغة، الأعيان، الأعراف، العار والتقاليد… كلها تتقاطع لتلغي مفعول مؤسسات حديثة قوية مثل المدرسة والقانون والكفاءة والعقلانية.
إننا في امتحان حقيقي بين الحداثة وخشية الردّة، خوفًا على “الأصيل” أن يضيع أثره.
في الأصل، كان الهدف من إنشاء الأحزاب السياسية هو ترسيخ حياة ديمقراطية تقوم على تثقيف المجتمع سياسيًا وتنويره، كما ينص الفصل السابع من الدستور المغربي، والمساهمة في التنمية الترابية وصناعة القوانين والتشريعات، ودعم الدولة في مهامها الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية.
غير أن تجربة امتدت لأكثر من سبعة عقود أفرزت واقعًا مغايرًا تمامًا: فبدل أن تكون الأحزاب والمنتخبون رافعة للتنمية، تحول كثير منهم إلى عبء على الدولة، وتزايدت ملفات التفتيش والمحاسبة ضدهم، ما يعكس كلفة مادية وزمنية باهظة تعيق مسار التطور الاجتماعي.
لقد أصبح ما نراه اليوم داخل العديد من المؤسسات الحزبية لا يُعبّر عن انخراط في “الحياة العامة”، بل يشكل حاجزًا ضدها. ويكفي أن نتابع دورات أكتوبر الأخيرة في الجماعات الترابية لندرك حجم الأزمة؛ إذ صار مجرد الترشح كافيًا في نظر البعض، أما التدبير فتكفله القرابة والعلاقات الشخصية، وكأن المنتخب جاء ليضمن استمرار الجاه والموقع لا لخدمة المصلحة العامة.
وحين يفشل المنتخب في التدبير ويغرق جماعته في الاختلالات، يجد نفسه أمام أسئلة الدولة:
من أين لك هذا؟ كيف وصلت؟ ما مستواك التعليمي؟ ما إنجازاتك؟
ثم يتحمل وحده مسؤولية فشل ولايته، فيضيع على المغرب الزمن والمال، وتضيع معه فرص بناء مؤسسات سياسية واقتصادية قوية قادرة على صنع الفارق.
لقد تحولت الأحزاب إلى أطر بلا روح، لغياب مبررات وجودها الأصلية. وهنا نصل إلى جوهر السؤال:
ماذا يمكن أن تقدم النخبة السياسية المغربية في ظل أزمات معقدة كالأزمة المناخية والتحول الرقمي وقضايا الشباب؟
وكيف سيتعامل السياسي التقليدي مع مفاهيم مثل الذكاء الاصطناعي، والانتقال الأخضر، ومواطنة الجيل الرقمي؟
لننظر إلى المثال الافتراضي: “عبد زنيم” الذي فاز برئاسة جماعة أو بلدية أو بمقعد برلماني، مستندًا إلى عوامل غير موضوعية — كيف سيترافع اليوم عن قضايا التحول الرقمي أو السياسة المناخية وهو بلا برنامج سياسي أصلاً؟ هل يمكن أن يخبرنا أحد من هؤلاء أنه وضع رؤية مسبقة لتراب الجماعة التي يمثلها؟ كم من شخصية سياسية عرفناها قدّمت برنامج عمل واضحًا قبل انتخابها؟
الجواب للأسف: نادرًا، إن لم نقل أبدًا.
إن ممارسة الفعل السياسي بالمغرب اليوم تُشبه قصيدة “أمل دنقل” المشبعة بالجراح، حيث يكون الألم أعمق من الكلمات.
وفي المقابل، نجد في تجارب أخرى نماذج مضيئة، مثل الشاب “زهران” الفائز برئاسة بلدية نيويورك، الذي اختتم خطابه بالتزام واضح: سأنفذ البرنامج الذي تعاقدتُ بشأنه معكم.
فكل علاقة اجتماعية قائمة على التعاقد — سواء في الزواج أو العمل أو الحقوق أو المسؤوليات — والعلاقة بين السياسي والمواطن لا تخرج عن هذا الإطار. إنها عقد مبني على البرامج والنتائج، لا على الولاءات والشعارات.
إن الجماعات الترابية تُدار وفق منطق الدولة نفسها ولكن في شكل مصغّر، ولا تحتاج إلى “مراهنات” أو “تكهنات” فارغة، بل إلى علم، ومعرفة، وكفاءة، ونزاهة، وصدق في الأداء.
وعلى المنتخبين الذين يتهيؤون لاستحقاقات 2026 و2027 أن يدركوا أن المغرب تغيّر، والإنسان تغيّر، وأن زمن العائلة والقبيلة قد ولى.
المرحلة المقبلة تتطلب أحزابًا ترشح المتعلمين، وأصحاب المشاريع الواقعية، لأن ترك القاع في الفوضى سيؤدي حتمًا إلى انهيار القمة — كما قال هيجل وماركس وفيورباخ.
نحتاج إلى نخبة عصرية تمتد من أقصى القرى إلى كبريات المدن، تؤمن بالكفاءة لا بالنسب، وبالعلم لا بالعزوة، وبالمواطنة لا بالزعامة الوراثية.
فالزمن لم يعد زمن “الجبوه الخاوية” و”السنطيحة”، بل زمن العقلانية والفعالية والمصلحة العامة.
آن الأوان لأن نوقف الانقسام لصالح الوطن والمواطن.

