مذكرات منتحلي الصفات والبطولات الورقية (الحلقة الأولى)

0

مذكرات منتحلي الصفات والبطولات الورقية

سيرة البحث عن المجد السهل… (الحلقة الأولى)

بقلم: سعيد حمان

dafmedia annc 970*250

في زمنٍ تحولت فيه منصات التواصل الاجتماعي إلى مسرحٍ مفتوح للجميع، لم يعد الوصول إلى دائرة الضوء يتطلب سنواتٍ من العمل أو سجلًا حافلًا بالإنجازات. أحيانًا يكفي لقبٌ رنان، وصورةٌ مُتقنة الإخراج، وخطابٌ مفعم بالمبالغات، حتى يولد “بطل” جديد في فضاءٍ افتراضي لا يكلّف نفسه كثيرًا عناء البحث عن الحقيقة.

هناك من يبني مكانته لبنةً بعد أخرى، ويصنع اسمه بالاجتهاد والصبر، وهناك من اختار الطريق الأقصر؛ طريق صناعة صورةٍ أكبر من الواقع، وتسويق بطولةٍ لا وجود لها إلا في الخيال. تتحول الألقاب إلى زينة، والادعاءات إلى وسيلة لحصد الإعجاب، حتى يصبح التصفيق غايةً في حد ذاته.

مذكرات منتحلي الصفات والبطولات الورقية (الحلقة الأولى)

المفارقة أن منتحل الصفة لا يكتفي بلقبٍ واحد، بل يعيش سباقًا دائمًا مع نفسه، يضيف إلى اسمه كل يوم صفةً جديدة، وكأن تضخم الألقاب قادر على تعويض غياب الإنجاز. فهو خبير في كل شيء، ورائد في كل مجال، وصاحب كل المبادرات، حتى يخيّل للمتابع أن الزمن توقف عنده، وأن كل نجاح يمر عبر بوابته.

غير أن الواقع لا يعترف بالبطولات الورقية. فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى مكبرات صوت، ولا إلى حملات تمجيد، ولا إلى جمهور يصفق لكل منشور. العمل الصادق يفرض نفسه بمرور الزمن، أما الألقاب المصنوعة فتتلاشى سريعًا عندما تواجه اختبار الحقيقة.

والمؤسف أن البعض بات يقيس قيمة الإنسان بعدد الصور التي ينشرها، أو الشهادات التي يعلّقها على الجدران، أو المنشورات التي تتغنى بـ”النجاح”، بينما يغيب السؤال الجوهري: ماذا قدّم هذا الشخص فعلًا؟ وما الأثر الذي تركه في محيطه بعيدًا عن عدسات الكاميرات ومنصات التواصل؟

إن أخطر ما في البطولات الورقية أنها لا تخدع أصحابها وحدهم، بل قد تُضلّل أيضًا شبابًا يبحثون عن نماذج يُحتذى بها، فيتوهمون أن الشهرة تُصنع بالكلمات، وأن المجد يُبنى بالمظاهر، وأن اللقب أهم من العمل. وهنا يبدأ الخلل الحقيقي، حين تصبح الصورة أهم من الحقيقة، ويغدو الادعاء بديلًا عن الإنجاز.

ليس عيبًا أن يحلم الإنسان بالمجد، فالحلم مشروع، والطموح مطلوب. لكن العيب أن يختصر الطريق إلى المجد في الادعاء، وأن يستبدل العمل بالمظاهر، والجهد بالتسويق، والحقيقة بالوهم.

فالتاريخ لا يحتفظ بأصحاب الضجيج، بل يخلّد أصحاب الأثر. والألقاب التي يمنحها الإنسان لنفسه سرعان ما تتلاشى، أما المكانة التي يمنحها المجتمع عن اقتناع، فهي وحدها التي تبقى.

هذه المذكرات ليست محاكمة لأشخاص، ولا تصفيةً للحسابات، بل محاولة لقراءة ظاهرة تتكرر في أكثر من مجال؛ في الإعلام، والثقافة، والرياضة، والعمل الجمعوي، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية. إنها دعوة إلى إعادة الاعتبار لقيمة الصدق، والتمييز بين من يصنع الإنجاز بصمت، ومن يصنع الضجيج بحثًا عن إنجاز.

وللحديث بقية…

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.