ترامب وإحياء الخطاب الديني في السياسة الدولية

0

ترامب وإحياء الخطاب الديني في السياسة الدولية

حميد عسلي
باحث في القانون والعلوم السياسية

في السياق الدولي الراهن، يمكن القول إن النظام العالمي يشهد تحولات عميقة لا تقتصر على موازين القوى وأنماط الصراع، بل تمتد أيضًا إلى طبيعة الخطاب الذي يمنح الفعل السياسي والحربي شرعيته. فخلال التوترات العسكرية الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بإيران، برز خطاب سياسي يوظف مفردات دينية بشكل صريح في تبرير الحرب، كما يظهر في بعض تصريحات دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. هذا التحول يطرح سؤالًا أعمق حول العلاقة بين الدين والسياسة في المرحلة المعاصرة.

ظاهريًا، قام الفكر السياسي الحديث على فرضية العلمنة، أي تراجع الدين عن المجال العام وتحوله إلى شأن فردي داخل المجتمعات الغربية. غير أن التطورات الراهنة توحي بأن الدين لم يختفِ، بل عاد ليشغل موقعًا مركزيًا داخل الفعل السياسي، بوصفه أداة لإنتاج الشرعية وتبرير الصراع.

ويمثل خطاب دونالد ترامب نموذجًا دالًا على هذا التحول، حيث يُستعمل المعجم الديني لتبرير قرارات سيادية، وتقديم العنف السياسي في إطار أخلاقي يفصل بين “الخير” و“الشر”. كما أن حضور الطقوس الدينية في الفضاء السياسي الرسمي، داخل البيت الأبيض وأمام مسؤولين مدنيين وعسكريين، يعكس تداخلًا متزايدًا بين الرمزي الديني والقرار السياسي، بما يثير تساؤلات حول حدود العلمانية في النموذج الغربي.

هذا الوضع يفرض ثلاث فرضيات تفسيرية: هل نحن أمام بداية تراجع العلمانية؟ أم أمام إعادة تشكيل لوظائفها؟ أم أن الأمر لا يتجاوز توظيفًا شعبويًا للدين في سياق سياسي متوتر؟

يمكن النظر إلى هذه الممارسات باعتبارها مؤشّرًا على تبلور شكل جديد من “اللاهوت السياسي”، حيث يغدو الفعل السياسي محمّلًا بدلالات أخلاقية وميتافيزيقية، ويُعاد فيه توظيف الدين بوصفه عنصرًا مركزيًا في بناء الشرعية السياسية، أحيانًا خارج الأطر القانونية التقليدية سواء على المستوى الداخلي أو الدولي.

وقد تعزز هذا النموذج بشكل خاص خلال المرحلة السياسية التي ارتبطت بترامب، ما يستدعي إعادة التفكير في الحدود الفاصلة بين المقدس والسياسي، وفي كيفية تداخل الدين مع مفاهيم السيادة والهوية والقوة في السياسة المعاصرة.

من الناحية النظرية، تكشف هذه الظاهرة حدود فرضية العلمنة الكلاسيكية، وتمنح وجاهة لأطروحات “ما بعد العلمنة” لدى يورغن هابرماس وخوسيه كازانوفا. فهابرماس يرى أن المجتمعات الحديثة لم تصبح علمانية بالكامل، وأن الدين لا يزال حاضرًا في الفضاء العام، داعيًا إلى إدماجه ضمن حوار عقلاني مع الحفاظ على حياد الدولة. أما كازانوفا فيقدّم مقاربة سوسيولوجية تُظهر كيف يستمر الدين داخل الحداثة بأشكال متعددة دون أن يختفي.

كما يمكن ربط هذا التحليل بأطروحات كارل شميت حول الجذور اللاهوتية للمفاهيم السياسية الحديثة، حيث يبدو أن هذا التداخل بين الديني والسياسي يعاد إنتاجه اليوم في سياقات تجمع بين الشعبوية والقومية وتوظيف الرموز الدينية في الخطاب السياسي.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تمثل هذه الظاهرة تحولًا دائمًا في بنية السياسة المعاصرة، أم أنها مرحلة عابرة مرتبطة بصعود الشعبوية وتراجعها؟ ذلك ما ستكشفه التطورات المقبلة في النظام الدولي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.