حين تُسكَّت الثقافة..صرخة الجالية المغربية في الخارج
زكية لعروسي
نعم، أيتها الذاكرة الحية، أيها الحلم الممزق… ها أنا أصرخ!
أصرخ من بين جثث الكلمات التي ذبحت أمامي على مذبح “الحاجيات والأولويات العملية! أصرخ والدم يقطر من شرايين المعنى، ومن قلبي الذي نفجر في ذلك اللقاء البارد.. بدل لقاء ظننته إحتفاء بروح الثقافة، فإذا به امتحان قاس للإيمان بالثقافة ذاتها.
قلت، بفرح لا يخلو من الاعتزاز، إن الجالية المغربية اليوم لم تعد يتيمة الصوت، وإن لها منبرا ينطق بإسمها، وجريدة تدافع عن قضاياها، وتحمل ثقافتها على كتفي الحرف….نعم قلتها بكل براءة: نحن هنا، وأصواتنا حية، وكلمتنا ورق وحرف. فجاءني الجواب باردا صادما كطلقة رصاص على مشهد حضاري كأن سكينا مرّت على شريان المعنى: “الجالية لا تحتاج إلى جريدة”! بمعني لا للثقافة.
لقسوة هذا الإعدام! يا لهول هذا الإجهاز المتعمد للروح!
كيف تسلخ الهوية من جسد الجالية وتقدم لنا كأنها جلد ميت؟
كيف تحول لغتنا وذاكرتنا وأساطيرنا وأشعارنا إلى شيئية لا تستحق النفقة، بينما تفتح الابواب لكل ما هو مادي واستهلاكي؟
إنها ليست مجرد إهانة. إنها جريمة…جريمة ضد ذلك العامل في ضواحي باريس الذي يخشى على أولاده من الضياع.
جريمة ضد تلك الأم التي تحاول أن تنسج خيوط الهوية لأبنائها بخيوط من حكايات وجدتها.
جريمة ضد الشاب الموهوب الذي يبحث عن فرصة ليُسمع صوتا مختلفا عن صوت الإقصاء والتطرف.
أيّ زمن هذا الذي تختزل فيه الجالية في الحاجيات، وتمحى منه الروح؟
أيّ منطق هذا الذي يحيل الثقافة وكأن الإنسان يمكن أن يعيش بلا ذاكرة، بلا لغة، بلا فن، بلا سرد يحميه من الذوبان؟
قيل لي إن ما تحتاجه الجالية يدخل في اختصاص وزارات أخرى، ومؤسسات أخرى، وكأن الثقافة عبء زائد، لا جسر من جسورها.
وهنا، لا بد أن أسأل:
منذ متى كانت الثقافة عبئا؟
منذ متى كانت اللغة هامشا؟
منذ متى صار الحرف تهمة؟
في كتب الإغريق، في ألواح الفراعنة، في مخطوطات الأندلس، في فلسفة كانط، في شعر المتنبي، لم تكن الثقافة يوما على هامش التاريخ، بل كانت محركه الخفي. الفن هو الذي حفظ الأمم، لا الخبز وحده. اللغة هي التي صانت الهويات، لا الجدران وحدها. والتاريخ لم يُكتب بالقرارات الإدارية، بل بالقصائد، باللوحات، بالموسيقى، وبالكتب التي قاومت النسيان.
أن يقال اليوم إن الثقافة ليست أولوية، فذلك ليس رأيا…
إنه إعدام رمزي للروح. لقد أماتني هذا الكلام قبل موتي الحقيقي.
يقولون: “المركز الثقافي وهمك ومشكلتك وحدك”. ويقولون: “الأغلبية لا تريد”. ويقولون: “لدينا إهتمامات أخرى”.
أقول: هذا كذب أبيض يغطي على موت أسود!
هذا تخلي عن المسؤولية الأكثر قدسية: مسؤولية حفظ النبض الروحي للمغرب والمغاربة
نحن لسنا “إحصائية” ولا “كتلة بشرية” تحتاج إلى “خدمات”.
نحن أرواح تحترق. تُحرق بشوق لا يطاق لوطن لم نعد نعرفه إلا من خلال زيارات متقطعة.
نحرق بغربة تأكل من هويتنا وتجعلنا غرباء هنا وهناك.
ونحرق بصمت قاتل يُفرض علينا، وكأن صوت الثقافة هو صوت عار!
وأقول:
لو صمت المثقفون، فذلك لأن الأبواب أُغلقت في وجوههم. ولو غابوا، فذلك لأن الفضاءات لم تفتح لهم. ولو انكسروا، فذلك لأن الثقافة حُوصرت حتى صارت امتيازا.
نحن الجالية المغربية، نحن المثقفون، نحتاج إلى مركز ثقافي كضرورة وجودية.
نحتاجه ليلمّ شملنا، ليرمّم هويتنا، ليرتق أرواحا مغربية قد تمزّقها رياح التطرف، أو تذروها عواصف الاغتراب. المركز الثقافي ليس بناية. إنه جسر.
جسر بين الأب وأبنائه، بين الأحفاد ووطن لم يروه إلا في الصور، بين باريس الأنوار ورباط الشرفاء.
نحن، خاصة في المنطقة الشرقية، لسنا فقط جالية؛ نحن الجسر الأخير بين المغرب والاستثمار، بين المغرب وصورته، بين الوطن والعالم.
كيف نُطالَب بالدفاع عن بلدنا بلا أدوات؟
كيف نُطالَب بحماية هويتنا ونحن عُزّل ثقافيا؟
يقولون لنا: هناك “دار المغرب”.
دار المغرب؟ نعم، هي هناك. كقلعة مغلقة. قلعة تفتح أبوابها فقط لمن يملك السند، والمعارف، والوساطات، وتغلقها في وجه المبدع الفقير، في وجه الكاتب والكاتبة المجهولين، في وجه ذلك الفنان الذي لا يملك إلا ريشته وكلمته.
هل هذه هي “الوجهة”؟ أم هي “المقبرة” الرسمية لطموحاتنا؟
ونقول، بمرارة التجربة، إن دار المغرب – للأسف – ليست للجميع.
كمثقفين من الجالية، لا نملك حق الولوج الحر، وكيف يطلب من المثقف المهاجر، الذي لا يملك إمكانيات، أن يدفع ليحصل على كراس، وقاعة؟
دار المغرب يجب أن تكون وجه الجالية، لا مرآة الإقصاء.
الثقافة ليست للنخب. الثقافة ليست حكرا على من يأتي من المغرب بدعوة رسمية. الثقافة ديمقراطية، أو لا تكون. هي للأبناء، للأحفاد، للنساء، للشباب، للمبدعين الصغار قبل الكبار.
الثقافة هي الدبلوماسية الموازية، حين تعجز السياسة الصلبة عن الإصغاء.
واليد الواحدة لا تصفق. حين يغيب المسؤولون، يبقى المثقف. يبقى ليدافع عن هويته، عن وطنيته، عن رايته الحمراء، لذلك أصرخ، ولا أريد أن أكون “مهذبة” في صرختي:
كفى! كفى تهميشا للذين يحملون هموم الأمة في قلوبهم قبل ملفاتهم!
نحن لسنا عبئا، نحن جسر…. جسر من لحم ودم وذاكرة.
وإذا انكسر هذا الجسر، فسيفقد المغرب أكثر من “جالية”. سيفقد خيطا حيويا يربطها بالعالم، وسيترك أبناءه فريسة لأي تيار متطرف يملأ الفراغ الذي تركته الدولة!
أقولها بدموع غليظة، بدموع فيها مرارة الملح وحرقة النار:
إن الذي يقتل الثقافة في الاغتراب، يطعن الوطن في ظهره.
إن الذي يسكت صوت المثقف، يجهز على آخر حصن للهوية.
أكتب هذا وأنا أرتعش وطنيا. أكتب والدمع له ألف لسان.
منذ سنتين ونصف، وأنا أناضل، وأكتب، وأُراسل، وتجهض المحاولات.
لكنني لن أصمت. لأن الثقافة ليست مشكلتي وحدي. إنها قضية وطن.
وهذه الصرخة الممزوجة بالدموع ليست طلبا للمساعدة، بل هي صرخة
لأن الأرواح التي تُذبل اليوم، لن تُزرع غدا.
والهوية التي تُشرَّح على طاولة الإهمال، سيكون إرجاعها إلى الجسد مستحيلا.
أنا أرتعش. أرتعش من الحزن، من الخوف على ما تبقى. ولكنني سأظل أصرخ. حتى لو صرخت في واد. حتى لو كان دمي هو الحبر الذي يكتب هذه الكلمات. فالوطن والثقافة يستحقان أن نموت من أجلهما، لأنهما يجعلان الحياة تستحق أن تعاش. ولمملكتنا المغربية الشريفة ان تكون حاضرا ومستقبلا خالدين.

