الملك العمومي بابن جرير.. بين صرامة الحملات وتكرار المخالفات.. هل جميع المحتلين سواسية أمام القانون؟
الملك العمومي بابن جرير.. بين صرامة الحملات وتكرار المخالفات.. هل جميع المحتلين سواسية أمام القانون؟
خبر24
لم يعد موضوع احتلال الملك العمومي مجرد إشكال يتعلق بتنظيم الأرصفة أو إزالة بعض الأكشاك والعربات، بل أضحى أحد أبرز التحديات المرتبطة بتدبير المجال الحضري وتحقيق التوازن بين الحق في ممارسة النشاط الاقتصادي والحق في الاستفادة من فضاء عمومي منظم وآمن.
فالملك العمومي ليس ملكًا لفرد أو لفئة بعينها، وإنما هو حق مشترك لجميع المواطنين، خُصص لضمان حرية التنقل، وتحسين شروط السلامة، والحفاظ على جمالية المدينة وجودة عيش ساكنتها. ومن هذا المنطلق، فإن حمايته ليست مجرد مسؤولية إدارية، بل واجب جماعي تتقاسمه السلطات والمؤسسات والمواطنون، لأن احترام الفضاء العام يعد أحد مؤشرات احترام القانون وترسيخ قيم المواطنة.

وفي هذا السياق، باشرت السلطات المحلية بمدينة ابن جرير، خلال الأيام الأخيرة، حملة ميدانية واسعة بشارع مولاي عبد الله، تحت إشراف قائدي الملحقتين الإداريتين الأولى والثانية، وبمشاركة مختلف المصالح الأمنية من الأمن الوطني والقوات المساعدة والشرطة الإدارية وأعوان السلطة، بهدف وضع حد لمظاهر احتلال الملك العمومي التي ظلت تؤثر على جمالية الشارع، وتعيق حركة السير والراجلين.
وشملت العملية إزالة مختلف أشكال الاستغلال غير القانوني للأرصفة والفضاءات العمومية، سواء من خلال امتداد بعض المحلات التجارية والأكشاك فوق الرصيف، أو عرض السلع خارج المساحات المخصصة لها، إلى جانب إزالة الأغطية القماشية والمنشآت العشوائية التي شوهت المشهد الحضري لسنوات، وأعاقت تنقل المواطنين، خاصة الأطفال وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.

وقد لقيت هذه المبادرة استحسانًا من طرف عدد من المواطنين، لما لها من أثر مباشر في إعادة الاعتبار للأرصفة باعتبارها فضاءات مخصصة للراجلين، وتحسين جمالية المدينة، وتعزيز انسيابية حركة السير.
غير أن نجاح أي حملة لا يقاس فقط بنتائجها الآنية، وإنما بمدى قدرتها على إحداث تغيير دائم. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تكفي الحملات الظرفية لمعالجة ظاهرة أصبحت متجذرة في بعض الفضاءات؟
فالواقع يؤكد أن حملات تحرير الملك العمومي ليست جديدة على مدينة ابن جرير، بل تتكرر بين الحين والآخر، غير أن مظاهر الاحتلال لا تلبث أن تعود بمجرد انتهاء عمليات المراقبة. فكثيرًا ما تستعيد بعض المحلات التجارية والأكشاك والمقاهي أجزاءً من الأرصفة والفضاءات العمومية، لتتحول مرة أخرى إلى امتداد لأنشطتها التجارية، في مشهد يتكرر بشكل يدعو إلى التساؤل حول مدى نجاعة المقاربة المعتمدة إذا لم تقترن بالاستمرارية والصرامة في تطبيق القانون.

لقد أثبتت التجربة أن الحملات، مهما بلغت درجة صرامتها، لا تحقق أهدافها كاملة إذا ظلت موسمية، إذ سرعان ما يعود الوضع إلى ما كان عليه. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد الحملات المنجزة، وإنما في إرساء مراقبة دائمة، وتطبيق القانون بشكل مستمر، حتى يصبح احترام الملك العمومي سلوكًا راسخًا، لا مجرد استجابة مؤقتة أثناء وجود السلطات في الميدان.
وفي المقابل، ينبغي التمييز بين مختلف أشكال احتلال الملك العمومي، لأن وضع الجميع في خانة واحدة لا يخدم أي مقاربة إصلاحية.
فالبائع الجائل، كما يدل اسمه، هو الذي يمارس نشاطه بشكل متنقل وغير مستقر، وليس من يحول الرصيف أو جزءًا من الشارع إلى مقر دائم لمزاولة التجارة. وعندما يصبح الاحتلال ثابتًا ومستمرًا، فإن الأمر لم يعد يتعلق ببيع متجول، بل باستغلال دائم للملك العمومي خارج الأطر القانونية.
أما ظاهرة “الفراشة”، فلا يمكن معالجتها بمنطق المنع أو حملات التمشيط وحدها، لأنها ترتبط بأوضاع اجتماعية واقتصادية هشة، وتمثل مصدر رزق لعدد كبير من الأسر. لذلك، فإن الحل لا يكمن في الإبعاد المؤقت، وإنما في اعتماد رؤية متكاملة تقوم على توفير فضاءات تجارية منظمة ومجهزة، تحفظ كرامة الباعة، وتمكنهم من ممارسة نشاطهم في ظروف لائقة، مع احترام النظام العام وحقوق باقي المواطنين.
وفي هذا الإطار، يبرز شارع محمد الخامس، المعروف محليًا بـ”القشلة”، كنموذج إيجابي لإعادة تنظيم باعة الخبز، بعد نقلهم إلى الجهة المقابلة على مستوى شارع بئر أنزران، وهو ما ساهم في تحسين جمالية المكان، وتوسيع فضاءات التنقل، وتوفير ظروف أكثر احترامًا وكرامة لهؤلاء الباعة، في تجربة يمكن البناء عليها وتطويرها.

غير أن الحفاظ على الملك العمومي لا يظل مسؤولية السلطات وحدها، بل هو مسؤولية جماعية تقتضي انخراط الجماعات الترابية، والهيئات المهنية، وفعاليات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، في حملات مستمرة للتوعية والتحسيس، من أجل ترسيخ ثقافة احترام الفضاء العام باعتباره ملكًا مشتركًا، وليس مجالًا للاستغلال الفردي.
فلا أحد يجادل في أن البيع والشراء حق مشروع، وأن التجارة وسيلة لضمان العيش الكريم، لكن ممارسة هذا الحق يجب أن تتم في إطار احترام حقوق الآخرين؛ من حق الساكنة في السكينة، وحق الراجلين في التنقل الآمن، وحق مستعملي الطريق في الانسيابية، وحق المدينة في الحفاظ على جمالية فضائها الحضري.
إن تحرير الملك العمومي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مواجهة مع التجار أو الباعة، بل هو مشروع حضري يهدف إلى تنظيم المدينة وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات. فحق المواطن في العمل لا يقل أهمية عن حقه في التنقل، كما أن كرامة البائع لا تنفصل عن حق الجميع في الاستفادة من فضاء عمومي منظم وآمن.
وفي النهاية، يبقى نجاح هذا الورش رهينًا بشرطين أساسيين: الاستمرارية والإنصاف. فالاستمرارية كفيلة بمنع عودة المخالفات بعد كل حملة، والإنصاف يقتضي أن يطبق القانون على الجميع دون استثناء أو انتقائية.

ويبقى السؤال الذي يطرحه عدد من المواطنين مشروعًا: هل جميع محتلي الملك العمومي بمدينة ابن جرير سواسية أمام القانون ومساطره؟ وهل يطبق القانون على الجميع بالقدر نفسه، أم أن بعض المخالفات تُزال فورًا، بينما تستمر أخرى لسنوات دون معالجة؟
إن ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، وتطبيقه على الجميع دون تمييز، هو الكفيل بتحويل حملات تحرير الملك العمومي من تدخلات ظرفية إلى سياسة حضرية مستدامة، تحفظ حق المواطن في العمل، وتصون في الوقت نفسه حقه في مدينة منظمة، جميلة، وآمنة.