اليقظة الرقمية مسؤولية وطنية… بين حرية التعبير وحدود المساءلة
نادية الصبار
في زمن التحول الرقمي المتسارع، لم يعد الفضاء الافتراضي مجرد مساحة للتواصل وتبادل الآراء، بل أصبح ساحة مفتوحة تتقاطع فيها المصالح، وتتجاذبها الحسابات، وتتنافس داخلها السرديات. وبين الحق المشروع في التعبير، ومحاولات توظيف هذا الحق خارج سياقه القانوني والأخلاقي، يبرز سؤال جوهري: كيف نحمي حرية الرأي دون أن يتحول الفضاء الرقمي إلى منصة لتقويض الثقة في المؤسسات؟
خلال الأشهر الأخيرة، تصاعد حضور محتويات رقمية يقدمها أشخاص سبق أن صدرت في حقهم أحكام قضائية نهائية، بعضهم كان يشغل مهام داخل مؤسسات عمومية أو قطاعات حساسة. وبعد مغادرتهم تلك المواقع، اختاروا مخاطبة الرأي العام بخطاب يتسم أحيانًا بالتجريح أو التهديد أو اتهام مؤسسات الدولة بالتآمر أو الفساد، دون سند قانوني أو مسار قضائي موازٍ.
لا يتعلق الأمر هنا بمصادرة الرأي أو إنكار الحق في النقد، فالنقد البناء ركيزة لأي دولة حديثة تسعى إلى التطوير والتصحيح. غير أن الفرق كبير بين النقد المؤسس على المعطيات والوثائق، وبين خطاب يتغذى من الإحباط الشخصي أو الرغبة في تصفية الحسابات، ثم يُقدَّم في قالب بطولي يستدر تعاطف المتابعين.
المملكة المغربية، بقيادة محمد السادس، اختارت منذ سنوات مسارًا إصلاحيًا واضح المعالم، تجسد في ترسيخ استقلال السلطة القضائية، وتعزيز دولة المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وفي هذا السياق، يضطلع المجلس الأعلى للسلطة القضائية بدور محوري في حماية استقلال القضاة وصون كرامتهم وضمان عدم تعرضهم لأي ضغط أو تشهير، بما يعزز الثقة العامة في العدالة.
كما أن المؤسسات العسكرية والأمنية تقوم على مبادئ الانضباط والالتزام الصارم بالقانون، وأي إخلال بواجباتها يخضع لمساطر تأديبية وقضائية محددة. ومن ثَمّ، فإن تحويل تجربة شخصية مرتبطة بمساءلة قانونية إلى خطاب عدائي شامل ضد الدولة ومؤسساتها، لا يخدم سوى خلق مناخ من التشكيك غير المؤسس.
الأخطر من ذلك، أن بعض هذه الخطابات، سواء عن قصد أو عن غير قصد، تتحول إلى مادة خام تستثمرها جهات معادية في حملات ممنهجة تستهدف صورة المغرب في الخارج. فالفضاء الرقمي لا يعترف بالحدود، وأي محتوى يُنشر يمكن أن يُعاد توظيفه في سياقات لا تخدم المصلحة الوطنية.
إن حرية التعبير حق دستوري مكفول، لكنها ليست درعًا للإفلات من المساءلة. فالقوانين المنظمة للسب والقذف والتحريض والتهديد عبر الوسائط الرقمية وُضعت لحماية الأفراد والمؤسسات على حد سواء، ولضمان توازن دقيق بين الحقوق والواجبات.
اليقظة الرقمية اليوم لم تعد خيارًا، بل ضرورة. وهي مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي المواطن بخطورة إعادة نشر محتويات مشحونة دون تحقق، وتمر عبر دور الإعلام المهني في التحقق والتأطير، وتنتهي عند المؤسسات المعنية بتفعيل القانون كلما تم تجاوز حدوده.
في نهاية المطاف، تبقى قوة الدولة في مؤسساتها، وقوة المؤسسات في ثقة المواطنين بها. والنقد الرصين يظل أداة إصلاح، أما خطاب التشهير والتحريض فلا يصنع إصلاحًا، بل يفتح الباب أمام فوضى رقمية لا رابح فيها.

