قراءة الحزب الراتب في الوجدان المغربي .. إرث روحاني وهوية حضارية
د. زكرياء بوسحاب
باحث في الشأن الديني بالمغرب
تعد قراءة الحزب الراتب من أبرز المظاهر الروحية التي تميز أهل المغرب منذ عقود طويلة، وهي ممارسة يومية عريقة درج عليها المغاربة صباحا ومساء، بشكل جماعي، في المساجد والزوايا والمدارس القرآنية، وفق رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق، التي شكلت أحد مقومات الهوية الدينية للمملكة المغربية الشريفة.
ليست قراءة الحزب الراتب مجرد تلاوة جماعية للقرآن الكريم، بل هي ورد روحي يرسخ الارتباط الوثيق بكتاب الله عز وجل، ويُعبر عن تجليات السكينة والطمأنينة التي تسري في النفوس عند اجتماع القلوب على الذكر. إنها تربية جماعية على قيم الطاعة، والانضباط، والتآلف، ومظهر من مظاهر وحدة الصف وتجانس الصوت القرآني.
وقد أسهمت هذه العادة المباركة في تحصين الذاكرة الدينية الجماعية، وترسيخ حب القرآن في نفوس الناشئة، كما ساعدت في نشر ثقافة حفظ القرآن الكريم، فغدت جزءًا لا يتجزأ من نسيج الحياة اليومية للمغاربة، ومرآة واضحة تعكس عمقهم الحضاري وتمسكهم بثوابتهم الدينية.
وفي زمن تتراجع فيه بعض المظاهر الجماعية للعبادة تحت ضغط الفردانية وأنماط الحياة المعاصرة، تبرز الحاجة اليوم إلى إعادة الاعتبار لقراءة الحزب الراتب، ليس فقط بوصفها تقليدا دينيا، بل كمكون من مكونات الذاكرة الروحية والوحدة المجتمعية، وإرثًا حضاريًا وجب صونه وتعزيزه في الأجيال القادمة.

