بين خطاب النهضة وحديث المقاهي .. لماذا نكرر نفس السؤال منذ 200 سنة؟
يوسف بايو، باحث في سلك الدكتواره، علم اجتماع. علم اجتماع البيئة. مهتم بقضايا التربية والتعليم.
منذ بداية عصر النهضة العربية الذي شكل جزءا من صدام الثقافات، صدام الثقافة العربية بالغربية “من لحظة الحملة الفرنسية على مصر 1798″، طرح سؤال “لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب؟” بصيغ متعددة لدرجة صار هم جيل كامل من المثقفين (رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، عبد الرحمن الكواكبي، مالك بن نبي، محمد عابد الجابري، جورج طرابيشي، هشام جعيط..) وغيرهم الذين صاروا خلف إعداد الإجابات عبر البحث في عوامل النهضة وتبيان أسباب التخلف كل من جهته وبأدواته، فالاسم الأول في هذه اللائحة الطويلة ركز على نقطة مركزية ما يزال يحال فيها كل نقاش حول التقدم والتطور أو التخلف؛ وهي أهمية التعليم. فقد دعا الطهطاوي إلى الاستفادة من التجربة الأوروبية عبر “نقل العلوم” وخلق نظام اجتماعي وسياسي عقلاني مع الحفاظ على خصوصيات الثقافات المحلية.
ثم جواب قابلية الاستعمار عند مالك بن نبي، وبنية العقل لدى الجابري، وبنية السياسة والسلطة عند أحد أشرس المنتقدين للجابري؛ طرابيشي الذي رفض أن يكون سبب التخلف في بنية العقل.
إن هذا السؤال وإن غاب في صيغته الأولى التي اختزلت الإجابات عليه في المقارنة عبر ثنائيات: التقدم/التخلف، الغرب/ العرب، الديموقراطية/ السلطوية “الذكورية”..، فإنه لايزال يطرح في صيغ عديدة. فقط؛ الفارق أنه صار يعبر عنه داخل كل بلد عربية بل داخل نفس البلد نجد له تلوينات جهوية وإقليمية بصيغة خاصة وفي مجالات عدة.
وتحضر المقارنة لكن ليس في كتب المثقفين ونظرياتهم؛ بل مقارنة يقوم بها المواطن البسيط انطلاقا من شاشة هاتفه ومن منشوراته وأحاديث المقاهي المسائية التي توفر مساحة لنقاش نهضوي ناقد بل أحيانا تصير أسئلة ونقاشات عفوية تتجاوز أسئلة فترة النهضة وتذكرك ب “صالونات فلاسفة عصر التنوير”.
ما يجعلك وأنت تسرق أصوات هذه الأسئلة والنقاشات، أحيانا كثير دون قصد، وتقرأ تدوينات ومقاطع فيديو، تشعر وكأنك على باب نهضة جديدة في صباح اليوم التالي، لكن في اليوم الموالي غالبا ما يباغتك وأنت داخل نفس المقهى ونفس الفايسبوك …سؤال: من ينتج التخلف الذي نصادفه في أبسط السلوكيات داخل الأمكنة العامة والأقل زحمة؟
في الشارع وفي الحافلات وفي المدرسة والأسواق وفضاءات الأكل والسياحة والحدائق..إلخ لا أحد ينجو من سلطة الحكم ب “هذا تخلف/ متخلف” والأخطر من ذلك أن الأفراد لا يكفون عن ترديد عبارات “بغاو الزحام نديروه” أو ” هذ غير المغرب” أو واش تسحاب راسك في كندا..” إلى غيرها من العبارات التي تصرف أفعالا، وتعبر عن التواطؤ مع جميع السلوكيات حتى لو كانت مصنفة ضمن الممنوعة وغير المرغوبة وغير الحضرية أو المدنية، حيث يبرر كل فعل بمقولة أو جملة على مقاص تسكت الجميع و تشجع الآخرين في الانخراط.
فأين الخلل؟ هل في التعليم؟ أم في نهضة مضادة نشارك فيها في كل صباح بأفكار مضادة لنقاش المقهى ومواقع التواصل الاجتماعي؟
جزء من الخلل يعود إلى أول إجابة قدمها الطهطاوي في حوالي 1834؛ إلى التعليم، ففي كل فترة غليان نقاش القيم والأخلاق يعاد طرح سؤال التعليم بقوة لكونه العصا السحرية التي قد تنقل مجتمع ما من التخلف إلى التقدم والتنمية، وهو أكثر المجالات التي تقدم فيها المقارنة، فيشير الأفراد بكل ثقة إلى أن دولة ما استطاعت أن تتقدم بفضل تعليمها..، لكن الجني الخفي داخل هذا المصباح السحري يخبرنا بأشياء أخرى. كيف ذلك؟
قبل طوندوس عسيلة “غرير العسل” الذي تصدر مواقع التواصل كحدث يحمل في طياته إجابات عدة لسيكولوجية وسوسيولوجية “الكبث” لدى المواطن المغربي باستدعاء رمز حيواني ومسرحة صفاته وخصائصه اجتماعيا؛ (الشجاعة، عدم الخوف، الرجولة، المواجهة ) وهذا ليس بلجوء جديد في تاريخ المجتمعات فقد كانت الحيوانات وباقي مكونات الطبيعة رموزا يثم إعادة إنتاجها ثقافيا وتصريفها اجتماعيا في شكل (ديانات، طقوس ومعتقدات).
قبيل حملة السخرية هذه، كانت المؤسسات التعليمية قد بادرت إلى حملة بتوجيه نداء إن لم يكن صرخة استغاثة قيمية وأخلاقية عبر رسالة معنونة ب ” نداء الأطر التربوية والإدارية إلى الأسر الكريمة” إلى كل أب وأم وولي تلميذة أو تلميذ.
جاء في مضمون هذه الرسالة التي لم تتجاوز الصفحات الرسمية لبعض المؤسسات نداء صريح بواقع المؤسسات التعليمية وطبيعة المعاناة مع ما وصفته ب” الانقلاب السلوكي في صفوف التلاميذ” الذي ركزت عليه الرسالة في أبعاد متعددة: غياب الاحترام، وعدم الانضباط، وانعدام الحد الأدنى من القيم الأخلاقية، وحالات العنف، واللامبالاة، والإدمان على الهواتف، وضعف التركيز ..إلخ من الظواهر التي اعتبرها النداء جزءا من مسؤولية الأسرة بالدرجة الأولى؛ لا يمكن للمدرسة تحملها أو معالجتها لوحدها، كما أرجع النداء هذه الانقلابات في السلوك وما نتج عنها من ظواهر إلى تملص الأسرة من مسؤوليتها تجاه الأبناء.
توضح الرسالة التي لم تحظى بحظ حيوان غرير العسل لأسباب يعرفها المجتمع الذي يختار ربما بشكل واعي أو بغير وعي في أي حملة يمكن التدوين وإنتاج الخطاب والسخرية؛ أن المدرسة لا يمكنها أن تتحمل أعباء تهرب الأسر من تتبع ومواكبة الأبناء أخلاقيا، كما لا يمكن أن تتحول إلى مؤسسة إصلاح اجتماعي.
يظهر في مضمون الرسالة أنها لا تتجاوز كونها نداء يحاول إعادة جسر التواصل بين مؤسسة المدرسة ومؤسسة الأسرة. لكن الأمر أبعد من ذلك من حيث الدلالة السيكولوجية والسوسيولوجية فمضمون النداء ليس بشيء جديد، فمنذ دخول المدرسة إلى المجتمع المغربي وهي في صراع دائم مع المؤسسات السابقة عنها بما في ذلك الأسرة.
وربما إلى حدود اليوم لم نؤسس لهذا العبور الذي قد يمكن من القيام بنوع من التصالح، فحتى الأسرة في خطابها اليوم تلوم المدرسة على أنها لا تعلم شيء للأبناء غير “البسالة وقلة ترابي” في العبارة الشهيرة التي قد يكون كل منا صادفها بطريقة ما ” واش هاذشي لي كتقارو/ لي قرواكم”، وقد يبدو هذا الصراع مجانيا، لكنه على العكس من ذلك فهو صراع في حقل مهم؛ حقل الأخلاق والقيم الذي كان في بداية تعميم المدرسة كمؤسسة حديثة ومنتوج غربي بالدرجة الأولى صراع مقاومة ورفض من طرف الأسرة للمدرسة كفضاء محدث ومنافس على تربية الأبناء وإخراجهم من البيت والحقل والسماح بالاختلاط..، في مقابل صراع ومقاومة مؤسسة المدرسة لفرض نموذجها التربوي- الأخلاقي والتعليمي كضرورة اجتماعية وحاجة دولة حديثة.
الذي حصل ضمن التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي في بنية الأسرة والمدرسة؛ هو الانتقال من المقاومة والرفض والفرض والحاجة، إلى استراتيجية التراشق والرمي بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، في فصل واضح على أن المدرسة لم تعد تربي على القيم والأخلاق، وفي الجانب الآخر أن المدرسة ليست مؤسسة للتربية على الأخلاق والقيم بل للتعليم ومساهمة جزئية في التربية.
إن هذه الوضعية في حدودها الضيقة قد تبدو صحية من حيث أن مجال الأخلاق والقيم على مر تاريخ المجتمعات ظل مجالا للصراع والمد والجزر بين مؤسسات عدة. لكنها وضعية اختزالية تطمس النقاش الحقيقي والفعلي الذي على المدرسة والأسرة أن تفعله؛ إنه نقاش لمن نوجه التربية؟ وأية أخلاق نريد؟ وأي جيل هذا الذي نربي؟
لو قمنا بمحاولة فهم بسيطة، لوجدنا أن مدرسة اليوم ليست هي مدرسة الماضي، فمدرسة اليوم انفلتت منها تفاصيل الضبط والتحكم في التفاصيل التي بناءا عليها تفقد السلطة البيداغوجية والإدارية، فالسلطة لا تعني شيء آخر بتعبير فوكو غير الإجراءات التقنية والآليات الصغرى القادرة على تحويل تعدد بشري إلى مجتمع انضباطي، بفعل تنظيم التفاصيل وإدارة كل الانحرافات المتعلقة بالتمرن، أو الصحة أو الأخلاق أو العمل.. والتمييز بينها وتصنيفها وتنظيمها حسب تسلسل تراتبي. حسب الفاعلين التربويين ساعد في ذلك قلب الأدوار بين المتعلم والمربي بجعل الأول في مركز العملية التعلمية ونزع أساليب السلطة الكاملة من الثاني.
كما لا يختلف المتخصصون في الأسرة على كونها أيضا عرفت تغيرات، خاصة في فصل التربية عنها، فلم يعد موضوع التنشئة لصيقا بالأسرة فقط. وما بين هاذين التصورين يجب استحضار ضرورة السياق والانتقالات والتحولات ليس فقط في الأسرة والمدرسة، بل في شخصية وذهنية الأجيال التي نحن أمامها ونعدها تربويا وأخلاقيا؟ أليس من الأجدر القيام بمحاولة فهم لهذه الأجيال؟
فما كان أخلاقيا لأسرة ومدرسة الماضي قد لا يكون كذلك لهذا الجيل، ففي العلاج الأسري النسقي هذا الجيل في أنماطه السلوكية والعاطفية والقيمية والأخلاقية، لا يعبر سوى عن ملامح شخصية انتقالية ترفض وتحاول كسر الإرث الأخلاقي والقيمي والاستمرارية التلقائية عبر تعدد الأجيال في سياق عالمي صار فيها الفرد يبحث عن تحقيق الذات خارج حدود الأسرة والمدرسة، إنه جيل يرفض بشكل ما أن يتموقع في المدرسة و الأسرة، جيل يرفض أن يحضر طقوس وقيم وأخلاق الماضي، كما يرفض أن تكون المدرسة هي طوق النجاة الوحيد وأن يكون النجاح الدراسي هو المفتاح الوحيد للنجاح في الحياة.
إننا كأجيال سابقة مجرد مهاجرون رقميون أمام جيل رقمي ورغم ذلك نسمح لأنفسنا بالحكم دون أن نفهم ما يحدث داخل قلعة الهجرة هذه، ودون محاولة تكيف مع ظروف التحولات التكنولوجية التي لا تمس فقط الاخلاق والقيم بل ساعدت في تغيير الذهنيات والسيكولوجيات.
إن الاكتفاء بإصدار الأحكام الأخلاقية لن يمكن من تجاوز هذه الظواهر سواء من داخل المدرسة أو من داخل الأسرة، لأن الأخلاق سؤال اجتماعي، وحالة عامة لا يمكن الإمساك بها داخل مؤسسة معينة ولا حتى في مؤشرات سطحية ذات صلة بالسلوك.
فسؤال: لماذا تأخرنا؟ حاول الحفر في البنيات والذهنيات التي تتحكم في المجتمع وفي إنتاج قيمه وأخلاقياته، التي بناء عليها يتفاعل الأفراد.
