طقوس الكذب في معبد المدينة الفاضلة
زكية لعروسي
المدينة تتنفس ككائن حيّ، والشارع يغلي كالدم في عروقها، والموسيقى التي يسمعها المواطن ليست سوى صدى وعود السياسيين، وهمسات الأكاذيب التي تُغلف الحقائق كما تغلف الضباب الشمس عند الصباح الباكر، والمثقف يقف في زاوية ضيقة من هذا المسرح الواسع، يراقب ويرصد، ويعرف أن الكذب هنا ليس خطيئة فردية، بل هو نَسقٌ ثقافي حيّ، يشبه النسيج الذي يربط بين الوجود واللغة والوعي الجماعي، تمامًا كما كتب الجاحظ عن البيان، والتوحيدي عن الروح، وإبن مسكويه عن الانسجام الاجتماعي، وأفلاطون عن الكذب النبيل، وأرسطو عن نقص الفضيلة الذي يفسد طبيعة الإنسان.
السياسي المنتخب يعرف منذ اللحظة الأولى أن الحقيقة وحدها لن تصنع له جمهورا، وأن الصدق المطلق قد يقصيه من اللعبة قبل أن يولد مشروعه، لذلك يصبح الكذب له وزن وجودي، وكأنه هو الهواء الذي يتنفسه، وكأن كل وعد كاذب هو نبضة في قلب المدينة، وكل خطبة منسّقة هي أغنية جماعية تعزف على أوتار توقعات الناس وأحلامهم الصغيرة والكبيرة، والمثقف، الذي قرأ كتب الفلاسفة العرب واليونانيين، يقف عاجزا بين الإعجاب بالفن الكاذب والغضب على تحريف الحقيقة، ويكتب تحليلاته، ويوقّع مقالاته، وكأن الكذب أصبح فنًا لا يحتمل إلا بمشاركته الصامتة، ولو كان الصمت نوعا من الخيانة الذاتية.
الانتخابات، في هذا المسرح العجيب، ليست تصويتا على برامج أو وعود، بل هي شعيرة، حيث تصدّق الجماهير الأكاذيب لأنها بحاجة إلى الطمأنينة، لأنها تريد أن تحلق فوق الواقع بصوت واحد، وتريد أن ترى نفسها جزءا من قصة كبرى، ولو كانت هذه القصة زائفة، ولو كانت الأكاذيب مجرد ألوان على لوحة ضخمة لا تنتهي. السياسي يمارس الكذب كما يمارس السحر: ينسج الكلمات، يرسم الابتسامات، ويقود الجماهير بين وهم الحلم وواقع الإمكانات، والمثقف يقف على هامش المسرح، يكتب ويحلل، يعرف أن كل كذبة جميلة تبقي المدينة مستمرة، وكل صراحة صادمة قد تهزّ الأسس التي يقوم عليها الكيان الجماعي، مثلما رأت إخوان الصفا أن الاختلال الفردي يهدد الانسجام الكوني.
الكذب هنا مزدوج: كذب لإرضاء الجماهير، وكذب لحماية الهرم السياسي وكلاهما أصبح ضروريا لبقاء نظام المدينة الرمزي، ولحفظ صورة السياسي كما يحفظ المواطن وهمه. وهكذا يتحول الكذب من خطيئة أخلاقية إلى لغة وجودية، أداة تشكيلية للجمال الاجتماعي، شريان الحياة السياسية، الذي يربط بين السلطة والمواطن، بين الحقيقة والخيال، بين ما يقال وما يشعر به، بين ما يعيشه الناس وما يريدون أن يصدقوه، وكأن الكذب أصبح نسيج الوعي نفسه، وورقة الغفران التي تغطي ضعف المؤسسات، وكلمة السر التي تسمح للمدينة بالاستمرار في التنفس رغم كل الحقائق المؤلمة.
والمثقف، الذي عرف أن الكذب في الفكر العربي واليوناني لم يكن مجرد فعل سيئ، بل كان مؤشرا على هشاشة النظام ونضج اللغة، يجد نفسه محاصرا بين الصمت والمواجهة، بين دور الشاهد ونزوة التحليل، يراقب السياسي وهو ينسج الأكاذيب كأنه نحات يصنع تماثيل الهواء، يعرف أن كل كذبة تبقي الانتخابات على قيد الحياة، وكل صراحة مطلقة تهددها، ويكتب في أوراقه القديمة: الكذب ليس مجرد خيانة، إنه فن الحفاظ على المدينة، فن الحفاظ على وهم الجماهير، وفن الحفاظ على اللعبة التي تسمى حياة المجتمع الحديث.
وهكذا، تظل المدينة تتنفس بالكذب، والسياسي يحافظ على سلطته به، والمثقف يراقب ويحلل ويكتب، والجماهير تصفق وتصدق، لأن الوهم أصبح ضرورة جمالية للوعي الجماعي، شرطا لبقاء النسيج الاجتماعي، وشرطا إنتخابيا لا يستغنى عنه، وشعيرة حضارية تمتد من الجاحظ إلى التوحيدي، ومن الفارابي إلى أفلاطون وأرسطو، ومن زمن العرب القدامى إلى عولمة السياسة الحديثة. الكذب أصبح الفن الذي لا يحتمل إلا بمشاركته الصامتة، والغضب على الزيف أصبح حنينا للمستحيل، والصدق صار شذوذا، والمدينة تعيش، وتتنفس، وتستمر، ولو على خيوط الكذب نفسها، مثلما تتنفس الشمس من خلف الضباب في صباح بعيد.