التطبيب بين قداسة المهنة وانهيار الضمير: قراءة في واقع الصحة بالمغرب

0

التطبيب بين قداسة المهنة وانهيار الضمير: قراءة في واقع الصحة بالمغرب

بقلم: زكية لعروسي

في التراث الإسلامي والعربي، لم يكن الطبيب مجرد صانع وصفات أو مشرّح للأجساد، بل كان حكيماً يُنظر إليه كرمز للرحمة والعلم معا. ابن سينا يرى أن وظيفة الطبيب هي حفظ الصحة وإزالة العلة وإسعاف المريض بما يليق بالإنسانية، ويقول في القانون في الطب: “وظيفة الطبيب حفظ الصحة وإزالة العلة وإسعاف المريض بما يليق بالإنسانية”، ويقول الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة: “صلاح المدينة بصلاح صناعتها، وأسموها صناعة الطب لأنها تحفظ الحياة”.
اليوم، ونحن نرى حال مستشفيات المغرب، يتبادر سؤال مرير: هل ظل الطبيب كما عرفه أسلافنا “نصفه قلب ونصفه علم” أم تحول إلى تاجر يقايض صحة المواطن بالمال؟ يبدو الواقع مقلقا، حيث تحولت الأقسام إلى محاكم مالية، والمستعجلات إلى بوابات مالية، فيجد المرضى أنفسهم بين كرامة مهدورة وجيوب مستنزفة.
أي منطق هذا أن يدخل المواطن قسم المستعجلات وهو بين الحياة والموت، فيوقف عند باب قاعة العلاج ليسأل عن جيبه قبل أن يسأل عن جرحه؟ أي عدل أن يقال لعائلة فقيرة “ادفعوا أولا” بينما قوت يومهم لا يساوي ما طلب منهم؟ المريض في كثير من الأحيان أصبح محفظة مالية متحركة، بدل أن يكون إنسانا تصان كرامته، والمفارقة الأشد إيلاما أن هذا يحدث في بلد يحظى بالعناية الملكية الفائقة التي كرستها المبادرات والمشاريع لتطوير الصحة.
المأساة ليست في عطب الأجهزة فقط، بل في عطب الضمائر وفساد القلوب، وفي الخلل الإداري المستشري. المنظومة الصحية انعكاس لأزمة سياسية واجتماعية عامة: طبيب فقد البوصلة الأخلاقية فاصبح يقيس نجاحه بعدد الشيكات لا بعدد الأرواح، إداري يرى المستشفى خزينة لجمع الموارد، ممرض فقد الحافز بفعل ضعف الأجور والإرهاق فانطفأت الرحمة، ورقابة عمومية غائبة أو متواطئة تغض الطرف عن الفساد والإهمال. هكذا يتهاوى مفهوم رسالة الطب ويستبدل بمفهوم تجارة الصحة.
السياسة الصحية في المغرب لا يمكن فصلها عن السياق السياسي العام. المستشفيات تُبنى والمشاريع تُعلن في الإعلام، لكن السؤال الحقيقي: هل هناك تجهيزات كافية؟ هل هناك أطر طبية مؤهلة؟ هل هناك إرادة حقيقية لضمان الحد الأدنى من الكرامة؟ المواطن يرى المستشفى، عموميا أو خاصا، ليس مكانا آمنا يلجأ إليه عند المرض، بل اختبارا لقدرة جيبه على تغطية تكلفة العلاج قبل أي اعتبار لإنسانيته.
الجانب الاجتماعي أخطر من ذلك، حين يعجز أب أو أم عن توفير علاج أبنائهم، فذلك لا يعني مأساة أسرية فقط، بل زرع بذور الإحباط الجماعي وفقدان الثقة في الدولة ومؤسساتها. إذا فقد المواطن الثقة في مستشفاه فسيفقدها في مدرسته وقانونه وممثليه السياسيين، ومن هنا تبدأ دوامة الانهيار الاجتماعي.
حتى على الصعيد الدولي تظهر المقارنات أن الفجوة كبيرة. في فرنسا يشكل القطاع العام العمود الفقري للنظام الصحي ويغطي غالبية الأسرة الاستشفائية، بينما في المغرب يهيمن القطاع الخاص. المستشفيات العمومية رغم أنها تغطي حوالي 66 بالمائة من الأسرة، تعاني من ضعف التجهيز ونقص الموارد البشرية، مما يفتح الباب واسعا أمام تغول القطاع الخاص. هذا التفاوت يجعل الصحة في المغرب عنوانا للامساواة، فالغني يتداوى في مصحات فخمة، والفقير يواجه طابور الانتظار وربما الموت أمام بوابة المستعجلات.
لقد كان الطبيب في حضارتنا رمزا للرحمة والعلم، واليوم يصبح السؤال أكثر إلحاحا: ماذا يتبقى من الطبيب إذا فقد إنسانيته؟ ماذا يتبقى من المستشفى إذا صار سوقا؟ أي طب نريد؟
المغرب اليوم بحاجة إلى ثورة قيمية قبل أي ثورة تنظيمية. يجب إعادة بناء الثقة وإعادة الاعتبار للطبيب كمثال للرحمة. نريد طبيبا يعود إلى جوهر رسالته: إنسان قبل أن يكون عالما. نريد مستشفى يفتح أبوابه للفقير قبل الغني، مكانا للشفاء لا للسوق. نريد سياسة صحية تجعل الحق في العلاج واقعا ملموسا، لا شعارا دستوريا، وتضمن الكرامة قبل المال والضمير قبل الحسابات. فالطبيب بلا إنسانية ليس طبيبا، والمستشفى بلا عدالة ليس سوى سوق مموه، وكل هذا رغم العناية الملكية الفائقة التي يجب أن تترجم إلى واقع يليق بالمواطن.
ابن سينا قال: “الطبيب من يزرع الأمل قبل الدواء”. فهل نعود إلى تلك الروح، أم نترك ضمير الطب يتهاوى بين أنياب السوق، والمرضى يحاسبون قبل أن يعالجوا؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.