من يمثلنا في الغربة؟ بين عدالة الاعتراف وصوت المنفى
بقلم: زكية لعروسي
منذ أن خط الإنسان أول نص شعري أو علمي، ظلت مسألة الاعتراف بالمنجز مرتبطة لا بالقيمة وحدها، بل بآليات السلطة الثقافية، وبالذائقة المتحكمة في عصر ما. كم من عالم كفّر أو أقصي ثم عاد إسمه رمزا بعد قرون، وكم من شاعر لم يعترف بعمقه إلا بعد أن صمت صوته إلى الأبد. غاليليو والمعري وكافكا ليسوا سوى نماذج لقاعدة أكبر: الاعتراف ليس دوما مرآة للقيمة، بل مرآة لقوة السياق.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه حين نقرأ أدب المهجر: هل كل من يكتب يمثلنا؟
الجواب معقد. الكتابة فعل ذاتي تنبثق من جرح خاص أو تجربة فردية، لكنها سرعان ما تقرأ من الخارج بوصفها تمثيلا لجماعة بأكملها. حين يكتب شاعر في الغربة نصا عن الشوق أو الانكسار، يراه القارئ وكأنه صوت آلاف المهاجرين، بينما هو في جوهره إعتراف شخصي محض. التمثيل هنا ليس خيار الكاتب، بل عبء يحمله القارئ أو المؤسسة عليه.
الغربة نفسها ليست وجها واحدا. ثمة غربة رومانسية تحوّل الوطن إلى أيقونة مثالية، كما فعل جبران ونعيمة في الرابطة القلمية، حيث تحوّل الحنين إلى وقود للجمال. وثمة غربة نقدية مريرة تكشف عيوب المجتمع والسلطة، وتكتب الوطن لا كفردوس مفقود بل كجرح مفتوح. وبين هذين الحدين تتوالد نصوص هجينة، بعضها يفتن القارئ وبعضها يثير النفور. وهذا طبيعي، لأن الأدب نسبي: ما يدهش قارئا قد يثير اشمئزاز آخر، وما يهمل اليوم قد يصبح مرجعا غدا.
المفارقة أن كثيرا من الأقلام المهجرية نالت الاعتراف لا لأنها عبّرت بدقة عن وجع الغربة، بل لأنها انسجمت مع الخانات المتفق عليها لدى المؤسسات الثقافية الكبرى، سواء في الوطن أو في المنفى. وهنا يغدو الاعتراف أحيانا ثمرة تواطؤ ثقافي أكثر مما هو ثمرة صدق إبداعي.
فهل نلقي اللوم على هؤلاء الكتّاب؟ ربما لا. فالتجربة الأدبية ليست اختبارا أخلاقيا، بل هي محاولة للنجاة باللغة. لكل كاتب الحق أن يكتب كما يشاء، وأن يمثل ذاته أولا. لكن مسؤوليتنا نحن القراء والناقدين أن نعيد النظر في الأسماء المهمشة، وأن ننصت للأصوات التي لم تدخل بعد في قاعات الاعتراف.
إن الأدب المهجري، في جوهره، ليس صوتا واحدا ولا وجها واحدا، بل فسيفساء من أقلام نازفة، بعضها يلمع في الضوء، وبعضها يذوب في العتمة. والعدالة الحقيقية لا تتحقق إلا حين نقرأ هذه الفسيفساء كاملة، لا حين نكتفي بما صادقت عليه المؤسسات أو فرضته الذائقة العابرة.
