لسنا عنصريين… ولكن: المفارقة التي تفضح الغرب

0

لسنا عنصريين… ولكن: المفارقة التي تفضح الغرب

بقلم: زكية لعروسي

لندن امتلأت بالجموع: مئة وعشرة آلاف يهتفون، يرفعون الأعلام، يلوحون بشعارات “الحرية” و”استرداد الوطن”. وسط الصخب، تتكرر جملة واحدة بإلحاح: “لسنا عنصريين، ولكن…”.
جملة تبدو في ظاهرها تبريرا بريئا، لكنها في جوهرها إعتراف صريح بالتناقض. كيف يمكن إنكار العنصرية في اللحظة نفسها التي يطالب فيها بـ”استرداد الوطن” من أفواه المهاجرين؟
هكذا صرخت الحشود تحت رايات اليمين المتطرف، رافعة شعار الحرية وكأنه جدار يحول دون الغريب، مستدعية خطاب “الوطن المسلوب” وكأن التاريخ يبدأ مع لحظة دخول المهاجر.
هذا هو التناقض الغربي في أقصى صوره: يرفضون أن يسمّوا أنفسهم عنصريين، لكن كل خطابهم مشبع باللون والهوية والحدود والخوف من الآخر. “لسنا عنصريين” جملة دفاعية هشّة، مثل شرفة مائلة على وشك الانهيار، تتدلى منها أوروبا لتعلّق عليها فشلها الداخلي.
حين يقول الشاب ريتشي: “لا أرى نفسي عنصريا، أنا فقط أصف الواقع الديموغرافي”، فإنه لا يصف الواقع بل يعيد إنتاجه في قوالب خوفية. كلمة “غزو” التي يطلقها على الهجرة ليست توصيفا بل سلاحا لغويا يحوّل البشر إلى موج عات يجب صده.
المفارقة أن هذا الخطاب يقوم على ذاكرة ابريطانية وأوروبية لم تكن تعرف الحدود حين كانت الغازية الناهبة العابرة للقارات. من إستعمر نصف الكوكب بالأمس، يصرخ اليوم: “لقد غزينا!”.
المهاجر هنا ليس فردا من لحم ودم، بل شماعة تعلّق عليها كل الأزمات: بطالة، فشل اقتصادي، إنسداد سياسي، وإنهيار منظومات القيم. أوروبا لا تواجه ذاتها، بل تصنع قناعا جديدا لعدو قديم: الغريب.
لكن أي “وطن” يراد إسترداده؟ هل هو مجرد جغرافيا مغلقة بالأسلاك؟ أم وطن القيم الذي طالما صدّروه للعالم تحت عنوان “حقوق الإنسان”؟ المفارقة أن الذين يهتفون اليوم ضد الهجرة، هم أنفسهم ورثة إمبراطوريات لم تعرف الحدود، نهبت الأرض والإنسان والموارد من أربع جهات الأرض. كيف يصير المهاجر خطرا على من بنى قوته يوما على ظهور المستعمَرين؟
إن ما جرى في لندن ليس إستعراض قوة بقدر ما هو إعلان عجز:
-عجز عن مواجهة الركود الاقتصادي.
-عجز عن صياغة سردية بديلة غير خطاب الخوف.
-عجز عن التوفيق بين شعار الديمقراطية وممارسة الإقصاء.

“لسنا عنصريين” ليست نفيا، بل قناع مهتزّ. إنها إعتراف مستتر: نحن نعلم أن خطابنا عنصري، لكننا نبحث عن تبرير يجعله مقبولا ومشرعنا. في جوهره، هذا ليس إنكارا للعنصرية بل صورتها الأكثر فجاجة: عنصرية ترتدي قناع القلق، وتتدثر بغطاء “إسترداد الوطن”، وتستقوي بأعداد الجماهير.
المهاجر ليس عدوا خارجيا بل مرآة داخلية. حين تهتف الجموع “نريد إسترداد وطننا”، فهي في الحقيقة تعلن خوفها من فقدان ذاتها. إنهيار الشرفة ليس سببه الغريب المار تحتها، بل هشاشة أعمدتها. الصرخة في لندن لم تكن إعلان قوة، بل إعلان فشل: فشل في مواجهة الحاضر، وفشل في بناء المستقبل.
المفارقة الكبرى أن المهاجر ليس سببا بل نتيجة: نتيجة الحروب، الاستغلال، الفقر، والسياسات التي صاغها الغرب نفسه على مدى قرون.
“لسنا عنصريين…” جملة يتيمة، لا تصمد أمام إختبار الواقع.
والواقع يفضح: عنصرية مقنعة، خوف مقنع، وطنية ضيقة متناقضة مع القيم التي إدعوا يوما حملها.
إنها ليست معركة مهاجر ضد مواطن. إنها معركة الوعي ضد الوهم.
والوطن لا يسترد بالصراخ في الشوارع، بل بمواجهة الحقيقة: أن إنهيار الشرفة سببه أساسات البناء نفسها، لا المارون تحتها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.