الهشاشة السياسية والرمزية في المغرب .. من الصمت المادي إلى الجهر الرقمي
العتوبي عبدالإله ” باحث في سوسيولوجيا الهشاشة والحياة اليومية”
في المغرب، كما في كثير من المجتمعات الهشة، لا تمارس السياسة فقط داخل قبة البرلمان أو أمام كاميرات الأخبار، بل تمارس بصمت، بسخرية، أو من خلال النكتة وبأصابع لا تتوقف عن النقر وأعين لا تتوقف عن المشاهدة لما يدور على شاشات الهواتف، في المقاهي الشعبية، في الأزقة، وعلى صفحات مواقع التواصل الإفتراضي. إنها سياسة من تحت، كما وصفها “جيمس سكوت”، لا تتحدث بلغة النخب، لكنها تصرخ من عمق اللامرئي.
هذا المقال ليس عن الأحزاب السياسية وإن كان لها دور بارز في ما وصل إليه الخيال السياسي والهشاشة الرمزية، بل عن الناس “الانسان الرقمي” عن الذين يشاهدون جلسات البرلمان ويضحكون، عن الذين يلتقطون صورة لحفرة في الشارع العام ويحولونها إلى كوميديا ساخرة أو يسعون من خلالها إلى خلق موجة ٱفتراضية تحقق لهم إشباعا متوهما من خلال نقرات الإعجاب أو المشاركة والتقاسم – تقاسم الفضائح لا تقاسم الأرباح المجنية من خلالها- ، عن الذين فقدوا الثقة في التغيير من فوق، فخلقوا رموزهم من تحت.
الهشاشة: ليست فقط اقتصادا، بل معنى
منذ سنوات، والمغرب يعيش ما يمكن وصفه بـ”اللامعنى الاجتماعي”، حيث أصبحت الهشاشة تتجاوز مؤشرات الدخل والعمل والسكن، لتتحول إلى حالة رمزية ومعنوية، الشاب العاطل لا يعاني فقط من غياب الوظيفة، بل من غياب التمثيل، من انكسار صورته أمام ذاته، من انطفاء صوته في الفضاء العام، واختزال إنسانيته في مجرد أرقام.
هذا ما يجعل من الحياة اليومية حسب التفاعلية الرمزية، ساحة للتفاوض حول المعنى، فحين يختار شاب في حي هامشي قميصا بماركة مقلدة، أو قميص فريق كروي، أو يقضي يومه في مقهى الإنترنت، فهو لا “يضيع وقته” فقط، بل يمارس سياسة رمزية: يعلن من خلالها عن رفضه للمجال الذي لم يعترف به، ليبحث له عن انتماء لمجالات أخرى والتشبه بهويات أخرى قد تكون “قاتلة” حسب تعبير ” الدكتور أميم معلوف”.
الهاتف الذكي: قنينة الأوكسجين الرمزية
في هذا السياق، لم يعد الهاتف وسيلة ترف أو تواصل فحسب كما كان في الماضي، بل تحول إلى ملاذ نفسي “ماريستان افتراضي”، ومساحة للمقاومة الرمزية، ومختبرا للهويات الجديدة، التي غالبا ما تتم صناعتها وهندستها ٱجتماعيا من طرف خبراء البرمجيات. داخل شاشة صغيرة لا يتعدى حجمها سنتيميترات، يعيد الشباب ترتيب واقعهم وعوالمهم الخاصة بحثا عن الأحلام المفقودة والسعي وراء النجاحات المتوهمة، على سبيل المثال :
ـ يخلقون شخصيات بديلة لشخصياتهم الحقيقية على مواقع التواصل الافتراضي، ويسعون من خلالها لرسم صور يوتوبية أحيانا تفتقر إلى فهم التأثيرات الحقيقية على الهوية أو السلوك..
ـ يسخرون من السلطة بلغة “الميمز” والنكتة في السر ويمدحونها في العلن “جيمس سكوت، المقاومة بالحيلة” حيث يمكنهم نشر مواقف لا يمكنهم قولها وجها لوجه أمام السلطة أو ممثليها…
وفق تعبير “إيمانويل كاستلز”، أصبح الهاتف جزءا من “شبكة المقاومة”، وشكلا من أشكال “السلطة التواصلية المضادة”، حيث يتحول اللاوعي الجماعي إلى خطاب يومي غني بالرموز. لماذا؟ لأن الفضاء العمومي أصبح خاضعا لمنطق التنويم الإيحائي أو الهيبنوقراطية كما يسميها “إيمانويل تود”، حيث تصنع القناعات لا بالحوار، بل بالتكرار، بالإبهار، بالإغراق الرمزي. والناس، حين لا يجدون من يصغي إليهم، يتحولون إلى ناشرين ذاتيين للهامش ولمعاناتهم داخل هذا الهامش.
اللامنطوق وصوت الهامش الرقمي
في عالم يستهلك صور السياسيين المصففة والمنصات المأجورة، تأتي المنشورات العشوائية من شاب في حي الشعيبات أو فتاة من دوار الحاجة كنوع من الجهر باللامنطوق. إنهم لا يكتبون فقط، بل ينفثون ما لا يقال في الخطابات الرسمية، إنه صوت اللاوعي السياسي الشعبي، كما وصفه “أصف بيات”، حيث تكون المقاومة “هادئة، يومية، متواصلة”، لا تأخذ شكل الاحتجاج دائما، لكنها تحفر في صخر المعنى عبر اللااحتجاج.
المناعة الرقمية ضد التهميش الرمزي
في ظل غياب العدالة الإجتماعية، غياب الإصغاء، غياب الخيال السياسي، تتحول المناعة الرقمية إلى رد فعل جماعي، إنها ليست فقط حماية من الاختراقات، بل من الاختراق الرمزي الذي تمارسه السلطة والإعلام الرسمي.
المواطن الذي يعيد مشاركة فيديو يظهر الظلم، أو يفضح الفساد، لا يفعل ذلك فقط كنوع من الفضول، بل يبني من خلاله جهازا مناعيا رمزيا ضد التهميش، يكون فيه الهاتف الذكي هو درعه، وصفحته الشخصية هي منصته، و”اللايك والشير” أدواته الرمزية في معركة غير متكافئة القوى.
هل نحن أمام خيال سياسي مضاد؟
كل هذه التعبيرات، من السخرية الرقمية إلى الثقافة البصرية في “الميمز” إلى النقد الشعبي العفوي… تشكل ما يمكن تسميته بـ”الخيال السياسي المضاد”، وهو خيال لا يعيش في القنوات الرسمية، ولا في قاعات الاجتماعات العاملية، بل في التفاعل اليومي، في شعور الناس بعدم الانتماء، في إعادة تشكيلهم لذواتهم خارج النظام السائد.
لكن هذا الخيال نفسه هش، ما لم يجد له قنوات تعبير مؤسساتية، أو ترجمة سياسية، قد يتحول إلى سخرية قاتلة، أو انسحاب جماعي من الشأن العام.
ما العمل؟
إذا أرادت النخب السياسية المغربية أن تعيد الثقة بشكل فعلي وملموس عكس الشعارات الفضفاضة، فعليها أولا أن تفهم الرموز الجديدة، أن تقرأ ما يكتب في تعليقات المنصات البديلة قبل أن تكتب خطابها الرسمي، أن تنصت لصوت القهر في المزاح اليومي والذي يتحول أحيانا إلى بعد تراجيدي، أن ترى في “الهروب إلى الهاتف” ليس نوعا من الكسل، بل صرخة ضد الصمت المادي الذي تمارسه السلطة ضد المقصيين، ضد العاطلين وضد المهمشين.
نحتاج اليوم إلى خيال سياسي شجاع، قادر على الاعتراف بالهامش، والاحتفاء بالرمزي، ودمج الحياة اليومية في مشروع وطني جديد لا يقصي، بل يصغي. لا إلى خطاب شعبوي عاطفي يلعب على الوتر العاطفي مستغلا الحمولة الدينية لتصريفها مواقف سياسية، أو خطاب تكنوقراطي يلخص الإنسان المواطن في أرقام فارغة يتم النفخ فيها بٱستمرار دون هوادة، نحتاج إلى إرادة إصلاحية متوازية الأبعاد لا إلى تصريف عنف نفسي مرضي كخطاب سياسي وتنابز بين الأحزاب قد يتحول لا قدر الله من عنف خطابي الى عنف مادي وتناحر سياسي كما تتناحر بعض الأجهزة والله أعلم.

