المادة 42 تضع رئاسة وأعضاء مجلس جماعة ابن جرير أمام المساءلة
خبر24
تداول مقاطع من جلستي دورة أكتوبر العادية 2026 يعيد مساءلة رئاسة المجلس بشأن احترام المادة 42، ومدى التقيد بالقانون التنظيمي للجماعات والفصل السادس من الدستور.

أعادت المقاطع المصورة المتداولة على عدة صفحات فيسبوكية، عقب انعقاد جلستي دورة أكتوبر 2026 العادية لمجلس جماعة ابن جرير، إثارة إشكالية احترام النظام الداخلي للمجلس، في ظل السماح بتصوير أشغال الجلسات ونقلها مباشرة، رغم أن المادة 42 من هذا النظام تتضمن مقتضيات صريحة تنظم التصوير والتسجيل وتمنع العموم منهما وفق الشروط الواردة فيها.
ولا يتعلق الأمر بواقعة ينبغي التعامل معها بمعزل عن سياقها، إذ إن كل متتبع لدورات المجلس السابقة يمكنه الوقوف على استمرار هذه الممارسة، بما يعيد طرح السؤال حول مدى انتظام تطبيق النظام الداخلي، والمعايير التي تعتمدها رئاسة المجلس في التعامل مع التصوير والنقل المباشر.
وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنظر إلى أن مجلس جماعة ابن جرير سبق أن صادق بالأغلبية على نظامه الداخلي خلال دورته الاستثنائية المنعقدة بتاريخ 30 شتنبر 2021. وهو ما يضع رئاسة المجلس وبقية أعضائه أمام مسؤولية احترام المقتضيات التي صادقوا عليها، بدل تركها حبرًا على ورق أو تطبيقها بصورة انتقائية.
نظام داخلي صادق عليه المجلس.. فمن يضمن احترامه؟
تنص المادة 42 من النظام الداخلي على إمكانية استعمال الوسائل السمعية البصرية لنقل المداولات العلنية للمجلس وتسجيلها وتصويرها، بطلب من رئيس المجلس وبعد موافقة أغلبية الأعضاء، كما تنص على منع العموم منعًا كليًا من تصوير أشغال الجلسات وتسجيلها بأي وسيلة.
وأمام وضوح هذه الصياغة، يصبح من المشروع التساؤل عن الأساس القانوني الذي يسمح بتصوير أشغال الجلسات ونقلها مباشرة على صفحات فيسبوكية، وعن مدى استيفاء الشروط التي يحددها النظام الداخلي.
فإذا كانت رئاسة المجلس تسمح بهذه الممارسة خارج الشروط المنصوص عليها، فإنها مطالبة بتقديم توضيح للرأي العام بشأن سندها القانوني، والمعايير المعتمدة لمنح الإذن، ومدى احترامها للمقتضيات التي سبق للمجلس أن صادق عليها.
ولا يستقيم أن تتحول المادة 42 إلى مقتضى يُحتج به في مواجهة العموم، بينما لا تُطبق الشروط نفسها على من يُسمح لهم بالتصوير والبث المباشر. فاحترام النظام الداخلي لا ينبغي أن يخضع للأشخاص أو لطبيعة المنصة التي ينشرون عبرها، بل للقواعد القانونية المنظمة لهذه العملية.
المادة 32 من القانون التنظيمي.. الالتزام يبدأ من أعضاء المجلس
إن النقاش لا يقف عند حدود المادة 42، بل يمتد إلى المادة 32 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، التي تجعل مقتضيات النظام الداخلي ملزمة لأعضاء المجلس.
وبالتالي، فإن رئيس المجلس وبقية الأعضاء معنيون أولًا باحترام النظام الداخلي الذي صادقوا عليه، ولا يمكن فصل مسؤوليتهم في تدبير أشغال الجلسات عن واجب التقيد بالقواعد المنظمة لها.
وإذا ثبت أن التصوير والنقل المباشر جريا خلافًا للشروط المحددة في المادة 42، فإن ذلك يثير مسألة عدم احترام النظام الداخلي، ويستوجب توضيح المسؤوليات والأساس القانوني الذي استندت إليه هذه الممارسة.
أما الفصل السادس من دستور 2011، فيؤكد أن القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وأن الجميع، بمن فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له، كما يكرس مبدأ تراتبية القواعد القانونية.
ومن ثم، فإن احترام القانون لا يمكن أن يكون انتقائيًا، ولا يجوز التعامل مع النظام الداخلي باعتباره مجرد وثيقة إدارية شكلية، بينما يفترض أن يشكل مرجعًا ملزمًا لتدبير أشغال المجلس. ومع ذلك، فإن إثبات خرق القانون التنظيمي أو الدستور يقتضي تحديد المقتضى الأعلى الذي تمت مخالفته، وعدم الاكتفاء بمجرد إثبات مخالفة النظام الداخلي.
المؤثرون ليسوا صحفيين مهنيين.. والتصوير ليس امتيازًا مفتوحًا
تطرح هذه القضية كذلك إشكالية الخلط بين الصحفي المهني والمؤثر أو المدون أو صانع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي.
فالقانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر والقانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحفيين المهنيين يؤطران ممارسة الصحافة وشروط اكتساب الصفة المهنية. ومجرد امتلاك صفحة فيسبوكية أو ممارسة البث المباشر لا يمنح صاحبه تلقائيًا صفة الصحفي المهني.
غير أن هذه التفرقة لا تعني أن المؤثرين محرومون من حقوقهم كمواطنين، ولا أن الصحفي المهني يتمتع تلقائيًا باستثناء من القواعد المنظمة للتصوير داخل الجلسات. بل إن جوهر الإشكال يكمن في ضرورة تحديد الأساس القانوني للتصوير، وضمان تطبيق القواعد ذات الصلة على نحو واضح ومتسق.
فإذا كانت المادة 42 لا تتضمن استثناءً صريحًا للصحفيين المهنيين، فإن السماح لأشخاص بتصوير الجلسات ونقلها مباشرة يفرض على رئاسة المجلس توضيح طبيعة الإذن الممنوح لهم، ومدى مطابقته للنظام الداخلي.
أما ترك هذه الممارسة دون توضيح، فيفتح الباب أمام التساؤل عن المعايير المعتمدة في منح حق التصوير، وعن مدى احترام مبدأ المساواة في تطبيق القواعد المنظمة لأشغال المجلس.
من يحمي المعطيات الشخصية للمستشارين والموظفين ورجال السلطة والمواطنين؟
إلى جانب إشكالية احترام النظام الداخلي، تبرز مسألة لا تقل أهمية، تتعلق بحماية المعطيات الشخصية لبقية الحاضرين في الجلسات، من مستشارين جماعيين وموظفين تابعين للجماعة ورجال السلطة الترابية ومواطنين يتابعون أشغال المجلس.
فالسماح بالتصوير والنقل المباشر يتيح ظهور صور هؤلاء الأشخاص وأصواتهم في محتويات منشورة على منصات التواصل الاجتماعي، قد يعاد تداولها أو استعمالها خارج سياق الجلسة. وهو ما يطرح تساؤلات بشأن الجهة المسؤولة عن هذه التسجيلات، والغرض من نشرها، والضمانات المتخذة لحماية حقوق الأشخاص المعنيين.
ويكتسي القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى شموله المعالجة المرتبطة بالصور والأصوات متى تعلقت بأشخاص محددين أو قابلين للتحديد.
ولا يعني ذلك أن كل تصوير أو نشر من داخل جلسة علنية يشكل تلقائيًا مخالفة قانونية، إذ يتعين النظر في أساس المعالجة وغرضها والضوابط والاستثناءات المنطبقة عليها. لكن علنية الجلسات لا تعني أن صور الحاضرين وأصواتهم أصبحت متاحة للاستعمال دون أي ضوابط.
ومن هنا، فإن رئاسة المجلس مطالبة بتوضيح الضمانات المعتمدة لحماية المعطيات الشخصية، وتحديد المسؤوليات المرتبطة بالتصوير والنشر، بدل حصر النقاش في منع العموم من تشغيل كاميراتهم أو هواتفهم.
ممارسة متكررة تستدعي التوضيح والمساءلة
إن تداول مقاطع من جلستي دورة أكتوبر 2026، في سياق ممارسة سبق أن أثارت الانتباه خلال دورات سابقة، يجعل القضية تتجاوز مجرد واقعة عابرة، لتطرح سؤالًا أوسع حول كيفية تطبيق النظام الداخلي لمجلس جماعة ابن جرير.
فإذا كان المجلس قد صادق بالأغلبية على هذا النظام منذ 30 شتنبر 2021، فإن الرأي العام المحلي من حقه أن يتساءل عن أسباب استمرار الممارسة التي تبدو، بحسب المقاطع المتداولة، مثيرة للتعارض مع الشروط الواردة في المادة 42، وعن الأساس القانوني الذي تستند إليه رئاسة المجلس في السماح بالتصوير والنقل المباشر.
إن احترام القانون يبدأ من المؤسسات التي تسهر على تطبيقه، ومن المسؤولين الذين يطالبون المواطنين بالتقيد به. ومجلس ابن جرير مطالب بتوضيح موقفه من هذه الإشكالية، وضمان تطبيق نظامه الداخلي وفق قواعد واضحة، مع احترام حرية الصحافة والحقوق الدستورية وحماية المعطيات الشخصية لجميع الحاضرين.
فلا معنى للمصادقة على نظام داخلي إذا لم يكن احترامه ملزمًا للجميع، ولا يمكن مطالبة المواطنين باحترام القانون بينما تظل كيفية تطبيقه داخل المؤسسة المنتخبة نفسها موضوع تساؤل.