حين تقام الجسور للعقارب وتغلق في وجه الإنسان

0

حين تقام الجسور للعقارب وتغلق في وجه الإنسان

بقلم الأدبية زكية لعروسي باريس

كل عام، حين تهطل أولى أمطار أكتوبر على جزيرة الكريسماس، يخرج مائة مليون من العقارب الحمراء من جحورها، تموج الطرق كأنه دم الأرض قد سال ليتنفس.
تتوقف السيارات، تغلق الطرق، يشيد جسر للعقارب حتى لا تسحق أرجلها الصغيرة في رحلتها المقدسة نحو البحر.
السلطات الأسترالية تصدر بيانات الحماية، المواطنون يعملون من منازلهم، والعدسات تلتقط الحدث بفرح كأنها توثق معجزة الطبيعة.
هكذا، في نشرة الأخبار، يقدس سير العقارب، وتقام لها الطقوس.
وفي اللحظة ذاتها، في الضفة المقابلة من العالم،
يعبر شباب إفريقيا البحر نفسه، لا بجسر من الفولاذ، بل بزورق مثقوب وبقلب مثقوب أكثر.
لا أحد يغلق الطرق من أجلهم، لا أحد يصدر قرارا بحمايتهم من الموت.
كل ما في الأمر عنوان في صحيفة يمر سريعا: “مهاجرون غير شرعيين غرقوا في المتوسط”.
كيف تقام الجسور للعقارب الحمراء، ولا يقام للإنسان جسر واحد من رحمة؟ كيف يعتبر عبور القشريات طقسا بيئيا، ويعتبر عبور البشر خطيئة جغرافية؟
الهجرة، في النهاية، هي نداء الأصل. العقارب تعود إلى البحر لأنها ولدت منه، والإنسان الإفريقي يعبر البحر لأنه يبحث عن ضوء لم يولد فيه بعد. لكن الفرق بينهما أن الأولى تحظى بحديقة وطنية، والثاني يحاكم بتهمة الحنين.
في جزيرة الكريسماس، تنصب كاميرات لتوثيق المد الأحمر، وفي البحر الأبيض، تغلق الكاميرات كي لا توثق المد الأسود. اللون ذاته، دم يتحرك نحو الحياة، لكن التأويل مختلف حين يتغير شكل الكائن.
العقارب الحمراء لا تحمل أوراق هوية، ومع ذلك تمنح حرية العبور. أما الإنسان، فيفتش حتى في أضلاعه، كأن جواز سفره محفور بين العظام. في المشهدين معا، تكمن سخرية الكوكب الحديث:
العالم يعبد التنوع البيولوجي، لكنه يخاف التنوع الإنساني.
ينفق المليارات لإنقاذ أنواع من الانقراض،
ويشيح وجهه عن البشر الذين ينقرضون معنويا كل يوم في معسكرات الانتظار على سواحل لامبيدوزا وليبيا. يا للعجب:
تقام الجسور للعقارب لأنها جزء من دورة الحياة،
ولا تقام الجسور للبشر لأنهم خرجوا عن دورة النظام العالمي.
العقارب تهاجر لتتكاثر، والإنسان يهاجر ليبقى.
لكن يبدو أن البقاء صار امتيازا بيئيا لا إنسانيا.
في النهاية، حين نرى العقارب الحمراء تمشي في طوابيرها الكثيفة، ربما يجب أن نسأل أنفسنا: هل نحن حقا من يراقبها؟ أم أنها، في صمتها الزاحف، هي التي تراقبنا، تسألنا بلغتها الغريبة: كيف يمكن أن تبنى الجسور للحشرة،
ويقام الحساب للإنسان؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.