نحو حكامة مالية فعالة للجماعات الترابية والمؤسسات العمومية
الدكتور محمد الحجيرة
رئيس اللجنة المراقبة المالية والحكامة بالبرلمان.
أصبحت الحكامة المالية في العصر الحديث من أهم المؤشرات المعتمدة لقياس كفاءة المؤسسات العمومية وقدرتها على تحقيق التنمية والاستجابة لتطلعات المواطنين، وذلك في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة وتزايد الضغوط المرتبطة بترشيد الإنفاق العمومي وتعزيز الشفافية والمساءلة. ولم يعد نجاح الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية يقاس فقط بحجم الموارد المالية التي تتوفر عليها، بل أصبح مرتبطًا بمدى قدرتها على تدبير تلك الموارد وفق مبادئ الحكامة الجيدة بما يضمن تحقيق النجاعة والفعالية والاستدامة المالية.
وتشكل الحكامة المالية منظومة متكاملة من القواعد والآليات والإجراءات التي تهدف إلى ضمان التدبير الرشيد للمال العام، من خلال تعزيز الشفافية في إعداد وتنفيذ الميزانيات، وترسيخ ثقافة المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوجيه النفقات نحو تحقيق نتائج ملموسة تعود بالنفع على المواطنين والمجتمع. كما ترتبط الحكامة المالية ارتباطًا وثيقًا بجودة السياسات العمومية، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة أو عدالة مجالية أو خدمات عمومية ذات جودة دون وجود نظام مالي فعال قادر على تعبئة الموارد وتوظيفها بشكل عقلاني ومنصف.
وفي المغرب، اكتسب موضوع الحكامة المالية أهمية متزايدة خلال السنوات الأخيرة في إطار الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية التي عرفتها المملكة، خاصة بعد دستور سنة 2011 الذي جعل من الحكامة الجيدة أحد الأسس الدستورية لتدبير الشأن العام، وأقر مبادئ الشفافية والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما شهدت المنظومة المالية العمومية تطورات مهمة من خلال اعتماد قانون المالية الجديد المرتكز على النتائج والأداء، وتعزيز دور المؤسسات الرقابية، وتوسيع اختصاصات الجماعات الترابية في إطار الجهوية المتقدمة، بما يعكس إرادة واضحة لتحديث الإدارة العمومية وتحسين مردوديتها.
وتكتسي الحكامة المالية للجماعات الترابية أهمية خاصة بالنظر إلى الدور المحوري الذي أصبحت تضطلع به هذه الوحدات الترابية في تحقيق التنمية المحلية وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. فالجماعات الترابية لم تعد مجرد هياكل إدارية لتنفيذ التعليمات المركزية، بل أصبحت فاعلًا تنمويًا مسؤولًا عن إعداد وتنفيذ المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية على المستوى المحلي. غير أن نجاح هذه الأدوار يظل رهينًا بقدرتها على تعبئة الموارد المالية وتدبيرها بكفاءة وفعالية، وهو ما يفرض تطوير أساليب التدبير المالي المحلي وتحديث آليات التخطيط والبرمجة والرقابة.
ورغم المجهودات المبذولة، لا تزال العديد من الجماعات الترابية تواجه تحديات مالية متعددة، من بينها محدودية الموارد الذاتية، وضعف المداخيل الجبائية في بعض المناطق، والتفاوتات المجالية في توزيع الإمكانيات المالية، فضلًا عن الحاجة إلى تعزيز القدرات التقنية والبشرية المكلفة بالتدبير المالي. كما أن بعض الجماعات ما تزال تعاني من صعوبات مرتبطة بإعداد المشاريع القابلة للتمويل أو بتتبع تنفيذ البرامج الاستثمارية، الأمر الذي يؤثر على وتيرة التنمية المحلية وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
أما المؤسسات العمومية، فهي تمثل بدورها ركيزة أساسية في تنفيذ السياسات العمومية وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وقد أضحت هذه المؤسسات مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتحقيق التوازن بين متطلبات الخدمة العمومية وضرورات النجاعة الاقتصادية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بارتفاع كلفة الاستثمار والتسيير، وتنامي الطلب على الخدمات العمومية، والضغوط المرتبطة بضبط التوازنات المالية.
ومن هذا المنطلق، أصبح من الضروري تعزيز آليات الحكامة المالية داخل المؤسسات العمومية عبر تطوير نظم المراقبة الداخلية، واعتماد مقاربات حديثة في التدبير المبني على النتائج، وتفعيل أدوات تقييم الأداء وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع والبرامج العمومية. كما تبرز أهمية تعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين لضمان التكامل بين السياسات العمومية وتجنب هدر الموارد أو تكرار الجهود.
وتعد الرقمنة اليوم من أهم الأدوات الحديثة لتعزيز الحكامة المالية، حيث تساهم في تحسين الشفافية وتسهيل الولوج إلى المعلومات المالية وتطوير آليات التتبع والمراقبة والتقييم. فاعتماد الأنظمة الرقمية في تدبير الميزانيات والصفقات العمومية واستخلاص الرسوم والضرائب المحلية يمكن أن يرفع من مستوى الفعالية ويحد من الاختلالات المرتبطة بالتدبير التقليدي. كما أن نشر البيانات المالية المفتوحة يعزز ثقة المواطنين ويشجع على المشاركة المواطنة في تتبع تدبير الشأن العام.
ولا يمكن الحديث عن الحكامة المالية دون التوقف عند دور الرقابة بمختلف أشكالها، سواء الرقابة الإدارية أو المالية أو القضائية، باعتبارها ضمانة أساسية لحماية المال العام وترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية. فالرقابة ليست مجرد آلية للكشف عن الاختلالات، بل هي أداة لتحسين الأداء وتصحيح المسارات وتطوير الممارسات التدبيرية. كما أن تقارير مؤسسات الرقابة تشكل مصدرًا مهمًا لتقييم السياسات العمومية واقتراح الإصلاحات الكفيلة بتحسين الحكامة المالية.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل فقط في توفير الموارد المالية، بل في ضمان حسن تدبيرها وتوجيهها نحو الأولويات التنموية الحقيقية. فكل درهم يتم تدبيره بكفاءة يمكن أن يساهم في خلق فرص الشغل وتحسين الخدمات الأساسية وتعزيز العدالة المجالية ودعم الانتقال نحو اقتصاد أكثر استدامة. ولذلك أصبحت الحكامة المالية أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز قدرة الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية على مواجهة التحديات المستقبلية.
وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، وما تفرضه من ضغوط اقتصادية وبيئية واجتماعية متزايدة، تبرز الحاجة إلى تبني نموذج متجدد للحكامة المالية يقوم على الابتكار والرقمنة والشفافية والمساءلة والاستشراف الاستراتيجي. فمستقبل التنمية لم يعد مرتبطًا فقط بحجم الإمكانيات المتاحة، وإنما بمدى القدرة على إدارتها بذكاء وكفاءة واستدامة. ومن ثم، فإن تعزيز الحكامة المالية للجماعات الترابية والمؤسسات العمومية يمثل اليوم ضرورة وطنية واستراتيجية لضمان تنمية شاملة ومتوازنة وقادرة على الاستجابة لتطلعات الأجيال الحالية والمستقبلية.
