خريبكة تحتفي بالسينما الوثائقية .. اختتام الدورة 16 للمهرجان الدولي
خريبكة، 11 – 14 دجنبر 2025
اختُتمت مساء الأحد 14 دجنبر 2025 فعاليات الدورة السادسة عشرة من المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة، بعد أربعة أيام حافلة بالفرجة السينمائية، والورشات التكوينية، واللقاءات الفكرية، التي جعلت من المدينة المنجمية فضاءً مفتوحًا للتفكير في الصورة، والذاكرة، والإنسان.
انطلقت فعاليات الدورة يوم الخميس 11 دجنبر 2025 برحاب الخزانة الوسائطية التابعة للمجمع الشريف للفوسفاط، في أجواء فنية وسينمائية استثنائية، حيث أكد رئيس المهرجان، الدكتور الحبيب ناصري، أن الدورة تراهن على تنويع العروض والأنشطة من خلال مسابقة رسمية للأفلام، وجوائز وتكريمات، إلى جانب الورشات، وتوقيع الإصدارات، والندوات الفكرية. شهد حفل الافتتاح عرض فيديو لأبرز لحظات الدورة السابقة، وتقديم لوحات من فن عبيدات الرما عبر فرقة “كوبرا”، إضافة إلى تكريم الفنان التشكيلي والشاعر مولاي عبد الله اليعقوبي، والسيناريست المصري وليد سيف، تقديراً لمساهماتهما المتميزة في مجال الفن والسينما.
في اليوم الثاني، أشرفت ورشة “كتابة السيناريو الوثائقي” التي قدّمها السيناريست وليد سيف، على تدريب المشاركين على أساسيات بناء الفيلم الوثائقي، مؤكداً أن الشخصية هي قلب الفيلم ومحركه الإنساني، وأن نجاح السيناريو لا يرتبط بالحدث وحده، بل بقدرة المخرج على التقاط التحولات وطرح الأسئلة الجوهرية. عُرض خلال الورشة فيلمان قصيران فتحا باب نقاش ثري حول كيفية صياغة الحكاية الوثائقية بعين إنسانية وشاعرية، ومنح المشاركين أدوات لفهم العلاقة بين الشخصية والسرد السينمائي.
في ذات اليوم، قدّم المخرج المغربي داوود أولاد السيد جلسة حوارية، سلط من خلالها الضوء على تجربته السينمائية التي تركز على الصورة والفلسفة وروح الجنوب المغربي، مستعرضاً أعماله البارزة مثل: “عود الريح”، “باي باي سويرتي”، “الجامع”، “الموجة الزرقاء”، و“الواد”، مع نقاش مفتوح مع الجمهور حول تقنيات التصوير والأسئلة الأساسية في صناعة الفيلم الوثائقي، مما منح الحضور فرصة فريدة للتفاعل مع رؤيته الفنية الخاصة.
واستمر النشاط السينمائي صباح السبت 13 دجنبر بورشة حول الإخراج السينمائي قدّمتها السينمائية الألمانية من أصول مصرية فيولا شفيق، حيث تناولت الفروق بين السينما التجارية وسينما المؤلف، وأكدت على العلاقة التكاملية بين الإخراج والسيناريو والمونتاج ودور المنتج، مستحضرة أمثلة عالمية وعربية، بما في ذلك السينما المغربية المعاصرة. كما ركّزت على عناصر الصبر والرؤية الجمالية والإبداع الحر كأساس لتجربة إخراجية متكاملة، مع استحضار تجارب عملية ونماذج سينمائية مختلفة، ما منح المشاركين فرصة للتعمق في فهم أبعاد الإخراج السينمائي وأثره على عملية بناء الفيلم.
وفي اليوم نفسه، شهد فضاء تقديم المؤلفات توقيع عدة إصدارات جديدة، من بينها كتاب «سينما الحداثة والتعبير الجمالي» للدكتور نور الدين محقق، والمعجم الفرنسي «Dictionnaire des femmes dans le cinéma et l’audiovisuel au Maroc» لمؤلفيه أيوب بوحوحو وعبد العزيز عمراوي، بالإضافة إلى رواية «حلم أمكنة» للدكتور الحبيب ناصري، لتكون هذه الفقرة منصة للتفاعل بين المؤلفين والجمهور وتعزيز الوعي بأهمية الكتاب في السينما والفكر السينمائي.
صباح الأحد 14 دجنبر، نظم المهرجان ندوة فكرية حول موضوع «صورة المدينة المنجمية في السينما الوثائقية»، بمشاركة باحثين من المغرب وفرنسا، حيث ناقشوا مدن خريبكة وجرادة واليوسفية كفضاءات للذاكرة والهوية، وأكدوا على دور المنجم كرمز إنساني وثقافي يتحول من مكان للعمل الشاق إلى مادة للسينما الوثائقية ذات الأبعاد الاجتماعية والتاريخية، مسلطين الضوء على كيفية توظيف السينما الوثائقية لترميم ذاكرة المدن المنجمية وإعادة الاعتبار لها من خلال السرد البصري والبحث الجمالي.
واختتمت فعاليات الدورة مساء الأحد بحفل توزيع الجوائز، حيث توجت لجنة التحكيم الأعمال المتميزة بعد تقييم دقيق وفق مقاربة مهنية. وقد ذهبت الجائزة الكبرى إلى فيلم «مورا يشكاد» للمخرج خالد الزايري، بينما حصد فيلم «صرخة في صمت» للمخرجة إيمان العلوي العبدلاوي جائزة الجمهور، ونال فيلم «جوك… الأخير في الملاح» للمخرج حسن بنجلون جائزة الإخراج. كما فاز فيلم «سر جدتي» من مصر بجائزة لجنة التحكيم، والجائزة النقدية كانت من نصيب الفيلم الإيراني «حوسد خوران»، أما جائزة أفلام المدارس فذهبت إلى فيلم «عكس التيار»، فيما فاز التلميذ عبد الجليل الشميطي بجائزة المقال النقدي.
وضمت لجنة التحكيم أسماء نسائية أكاديمية بارزة، برئاسة الدكتورة أمل بنويس، وعضوية كل من الدكتورة فيولا شفيق والدكتورتين آمال وسكوم، و ليلى رحموني. واختتمت الدورة بأمسية فنية وشعرية بفضاء بودرقة أحياها الشاعر والفنان التشكيلي مولاي عبد الله اليعقوبي، والفنان عبد الإله الخطابي على آلة العود، وأميمة ناصري على آلة التشيللو، في لحظة جسدت الاحتفاء بالتراث والفن والسينما الوثائقية، مؤكدة المكانة المميزة للمهرجان كمنصة للإبداع والحوار الثقافي.

