مؤثرو الخراب ..حين ترتدي شبه الصحافة والجمعيات بدلة المدعي العام
لخبر24: زكية لعروسي
في زمن صار فيه الضوء أرخص من الظل، والمعنى أضعف من الصدى، يتقدّم مشهد التفاهة كقدر إنساني جديد، يلبس أقنعة البطولة ويجلس على عرش الفراغ. إننا نعيش لحظة تاريخية تذوب فيها الحدود بين الوعي واللاوعي، بين الفكر والانعكاس، بين الإنسان ونسخته الرقمية التي لا تنام. لم يعد التافه فردا عابرا في الزحام، بل أصبح ظاهرة أنثروبولوجية، كاشفة لجوهر الخلل الحضاري الذي يجعل من الضجيج بديلا عن الفكر، ومن الظهور سلطة فوق كل سلطة.
لقد تحدث القدماء عن هذا الانحدار بلغة أخرى. الجاحظ رأى أن “سفاسف الأمور” دليل على انحطاط العقل، وابن خلدون اعتبر أن الأمم حين تترهّل بالترف وتفقد مقصد العلم تعود إلى بداوة رمزية، سطحية تشبه التفاهة الحديثة. ثم جاء ديكارت يخشى من الأرواح الصغيرة التي تعبث بالمجال العمومي، فيما كتب كانط عن كسل العقل الذي يجعل الإنسان يفضّل وصاية غيره على حريته في التفكير. وفي زمن لاحق، قدّم آلان دونو في كتابه “نظام التفاهة” تحليلا لما سماه انقراض المعايير، حين تصبح السلطة في يد من لا يملكون سوى المهارة في البقاء فوق السطح.
التفاهة ليست مجرد انحراف أخلاقي، بل نظام وجودي جديد يقوم على نفي العمق وتعليب المعنى وتحويل الوعي إلى سلعة. إن العالم الرقمي لم يخلق التفاهة، بل كشفها، أعطاها أدوات تضخيمها، ومنحها فضاء يجعلها تتكاثر كالأميبا في مستنقع فارغ من الفكر. في مثل هذا المناخ، يصبح المؤثر بديلا عن المثقف، والفضيحة بديلا عن الفكرة، والمحتوى الزائف بديلا عن التجربة. يتحول المظهر إلى جوهر، وتغدو الشهرة نوعا من الميتافيزيقا المقلوبة التي لا تحتاج إلى سبب سوى المشاهدة.
ووسط هذا الخراب المتأنق، تتورط بعض الجمعيات والمنصات الإعلامية في لعب أدوار لم توكل إليها. فهي، عوض أن تكون جسورا للوعي، تصير جسورا نحو المحاكم، تمارس سلطة الادعاء، وتصدر أحكاما أخلاقية في حق أفراد يعيشون تحت ركام الفقر والحرمان، كأنها تقتصّ بإسم الفضيلة من الذين لم تتح لهم فرصة الوعي. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو حين يتحول الفقر إلى تهمة، والجهل إلى جرم، والهشاشة إلى ذريعة للعقاب بدل أن تكون نداء للإصلاح.
هنا ينهض السؤال الفلسفي بكل ثقله: هل وظيفة الجمعيات أن تزج الناس في السجون بإسم الأخلاق العامة، أم أن دورها أن تفكك أسباب الانحراف وتخلق مساحات للفهم والإدماج؟ هل الصحافة وجدت لتتقمص هيئة القاضي، أم لتكشف المعنى خلف الظواهر وتعيد صياغة السؤال؟ ما الذي يجعل بعض المنابر الإعلامية ترتدي بدلة المدعي العام صباحا، ثم مساء تتحول إلى مصفّق لأباطرة التفاهة الذين يملؤون الفضاء باللغو؟
الجواب ليس قانونيا، بل ثقافيا. فالسجن قد يردع، لكنه لا يبني الوعي. إن الردع لا ينتج الإنسان، بل ينتج الصمت، بينما التوعية تفتح باب التحول الداخلي. ما نحتاجه ليس مزيدا من القيود، بل مزيدا من الإدراك. فالتفاهة ليست جريمة بالمعنى القانوني، بل عرض لمرض اجتماعي هو غياب البوصلة المعرفية. المجتمع الذي لا يربّي أبناءه على التفكير النقدي يخلق بالضرورة جيلا من المؤثرين الفارغين الذين يظنون أن الكلام هو الحقيقة.
لقد صارت بعض الصحافات تشتغل كآلات لتصنيع الغث، تغذي السوق بما يطلبه المتفرجون، وتستبدل قيم الإضاءة بقيم الإثارة. إن الصحافة، حين تفقد ضميرها، لا تكتفي بالسكوت عن التفاهة، بل تتحول إلى رحمها الدافئ. فبدل أن تكون عيناً على العالم، تصبح مرآة عمياء تعيد انعكاس ذاتها، وتعيش من تكرار الصدى لا من إنتاج المعنى.
التفاهة إذن ليست نتيجة فراغ الوقت، بل فراغ الروح. هي شكل جديد من أشكال الاستعباد الناعم، حيث يتنازل الإنسان عن حريته الفكرية طوعا ليصبح جزءا من قطيع رقمي يصفق لمن يصرخ أكثر. والذين نراهم على الشاشات ليسوا سوى تجليات لخلل عميق في منظومة القيم، حيث تراجعت الثقافة إلى الهامش، وغابت المدرسة، وانهار دور الأسرة، ونامت الدولة في سرير الإهمال.
إن ما يجري ليس قدرا، بل نتيجة. وحين نريد أن نغيّر النتيجة، يجب أن نعيد النظر في الأسباب. لا نحتاج إلى المزيد من المحاكم، بل إلى ثورة في الوعي. نحتاج إلى تعليم يزرع السؤال لا الحفظ، إلى إعلام يفكر لا يكرر، إلى جمعيات تبني الإنسان لا تجرّمه.
فالعصر الذي يقاس فيه الوجود بعدد المتابعين هو عصر مريض، والمجتمع الذي يسجن أبناءه بدل أن يعلّمهم هو مجتمع يختار الموت البطيء. الوعي لا يفرض بالقانون، بل يصنع بالثقافة. وما لم ندرك أن التفاهة مرآة ضعفنا الجمعي، سنظل نطارد ظلالها في كل شاشة، ونخاف من أشباح نحن من أنشأها.
الضوء الحقيقي لا يخرج من عدسة هاتف، بل من عقل يعرف أن الفكر مقاومة، وأن الوعي فعل شجاعة، وأن الإنسان لا يقاس بما يملك من ضجيج، بل بما يملك من سؤال.
