حين ينطق الرمل بإسم العرش

0

حين ينطق الرمل بإسم العرش

بقلم الاديبة زكية لعروسي

الصحراء المغربية ليست رملا ولا فراغا، بل كائن قديم يتنفس في ليل الله، يحمل في قلبه جمرة أزلية لا تنطفئ.
وجهها الريح، وعروقها حلم لا يندثر ولا يبهت، وقلبها شعلة لا تعرف النوم، تشع في الغياب قبل الظهور، وتحمل ذاكرة كل فارس مغربي مر، وكل ولي نام على الضوء، وكل نبي سار بين كثبانها.
في الصحراء، تتكلم الحجارة لغة الغيم، وتكتب الريح على جبين الكثبان أسماء القبائل التي لم تنس بعد، وتفتح السماء عينيها كما تفتح الأم ذراعيها لابن عاد من التيه، وكأن الزمن نفسه يعترف بها ويثني على عبور أرواحها.
الليل هنا لا يهبط، بل ينزل كزائر يخلع حذاءه على عتبة المكان المقدس، ويجلس ليستمع إلى حكايات النار عن المدن الغارقة في الغياب.
النهار ليس مجرد ضوء، بل تجل من تجليات النور، يمر على الوجوه كبركة، ويترك أثر صلاة قديمة نسيها العالم وذكرتها الرمال.
كل خطوة ذكر، وكل صمت مناجاة، والعابر لا يمشي، بل يُمشى به، كأن الأرض تعرفه من قبل الميلاد.
كل هبة ريح تهج آية الاستعادة: إستعادة الأرض، وإستعادة الروح، وإستعادة الوعي بأن التراب ليس ملكا لأحد، بل لأولئك الذين حفظوا صوته في صدورهم.
وحين ترفرف الأعلام على كثبان العيون، يبتسم الأفق كشيخ صوفي وجد المريد طريقه بعد عمر من السير، ويقول للصحراء إن العودة ليست موتا ولا فقدا، بل ولادة من جديد.
العودة التي شهدتها الصحراء ليست فعلا سياسيا فحسب، بل معجزة وجودية؛ ليست إسترجاع حدود أو خريطة، بل إسترجاع القلب لجسده، والإسم لوجهه، والروح لموطنها الأول.
إنها العودة التي طال إنتظارها، لكنها لم تنقطع يوما عن النبض، عن روح الأرض التي لم تنس نفسها ولا أبناءها.
كأن التاريخ بأسره تنفس حين عادت الصحراء إلى حضنها، وكأن الخرائط لم تكن سوى ورق كتب عليه القدر نبوءته القديمة: أن المغرب، حين يكتمل، تستريح الجهات وتعرف الشمس طريقها من دون بوصلة.
الصحراء المغربية، محراب الشهود الأبدي، ورقصة النور في جسد الغياب، شهدت مرور الأنبياء والفرسان، وعرفت السقوط والنهضة، ولم تبتلع أحدا، بل عمدت بالملح، وحفظت معنى البقاء في كل حبة رمل، وفي كل واد يفتح ذراعيه للمطر كما يفتح العارف قلبه للفيض.
وفي لحظة لم يسمعها أحد، حين يتكلم الرمل بأسماء العرش، تنهض الأصوات من أعماق الأرض، تتلو النشيد الأبدي، تغني بالملك، بالوطن، بالسماء، وتخبر كل من يسمع أن المغرب لم يغيب أبدا، وأن الصحراء هي الصوت الذي يهمس:
أنا الذي يدعى المغرب حين تتكلم حبات الرمل، وأنا الذاكرة التي لا تعرف الفقد، وأنا الرحلة والعودة والنبض والوجود.
هنا الصحراء المغربية، حيث الطين يصلي، والريح تسبح، والليل يكتب أوراده على صفحة الأفق.
الأرض تتكلم لغة الأنبياء، والسماء تسمع جوابها في صدى العود، في لحن الرمال، وفي نفس الجمال التي تركض بين السر والرؤيا.
من عرفها لم يعد كما كان، ومن دخلها خرج مبللا بالمعنى، كمن عبر الصمت وسمع في عمقه نداء الوجود:
إرجع إلى الوجهة وإلى الرمل الذي يعرفك… فهنا تبدأ الحقيقة، وهنا تبدأ العودة، وهنا يصبح الوطن قلبا يتنفس من جديد .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.