العدالة الإعلامية المجالية في المغرب بين مركزية القرار العمومي ومنطق السوق الخاص

0

العدالة الإعلامية المجالية في المغرب بين مركزية القرار العمومي ومنطق السوق الخاص

يونس أكرشال

يُعتبر الإعلام العمومي والخاص في المغرب رافعة أساسية لترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية، إذ يُنتظر منه أن يُعبّر عن مختلف أطياف المجتمع، بما في ذلك الفئات المجالية المتنوعة. غير أن تقارير الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) تكشف عن استمرار اختلالات بنيوية في هذا الجانب، مما يثير تساؤلات حول مدى احترام مبدأ المساواة في التمثيلية المجالية .

الإعلام العمومي: حضور بارز للمدن الكبرى وهيمنة المركز

تشير تقارير المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري (الهاكا) إلى أن الإعلام العمومي المغربي ما يزال يشتغل وفق منطق مركزي يكرّس حضور المدن الكبرى مثل الرباط والدار البيضاء على حساب الجهات الداخلية والمناطق القروية. فحسب تقرير سنة 2022، بلغ مجموع تدخلات الشخصيات العمومية في البرامج الإخبارية والمجلات الإخبارية أزيد من 255 ساعة، خصّ الإعلام العمومي منها أكثر من 61 في المئة، ما يؤكد استمرار سيطرة المنصات الرسمية على إدارة النقاش العام. كما يُظهر التقرير أن الفاعلين الجمعويين استحوذوا على نحو 39 في المئة من زمن البث المخصص للتدخلات، يليهم السياسيون بنسبة تفوق 38 في المئة، ثم الفاعلون المهنيون بنسبة تناهز 16 في المئة، وأخيراً النقابيون بحوالي 7 في المئة. هذه الأرقام تبيّن بنية الخطاب الإعلامي العمومي من حيث الفاعلين، لكنها لا تُظهر بشكل كافٍ التوزيع الجغرافي لهذا الحضور الإعلامي.

ورغم أن الهاكا أعلنت خلال السنة نفسها عن تخصيص تسعة وستين تردداً إذاعياً جديداً لتوسيع التغطية السمعية في ثلاثين جماعة محلية، أكثر من نصفها في الوسط القروي، فإن هذا التطور التقني لا يوازيه تطور في مضمون التغطية ولا في العدالة المجالية للحضور الإعلامي. فلا توجد في التقرير بيانات تفصيلية تُبرز حجم التغطية حسب الجهات أو نسب الظهور الإعلامي لكل منطقة، مما يترك المجال مفتوحاً لتأكيد ملاحظات الفاعلين الإعلاميين والباحثين الذين يعتبرون أن الإعلام العمومي ما زال حبيس رؤية متمركزة في العاصمة.

إن هذا الخلل البنيوي لا يرتبط فقط بغياب المساواة في التغطية الجغرافية، بل يعكس رؤية رمزية تختزل صورة الوطن في المركز وتقصي الأطراف، بما فيها الجهات الجنوبية والشمالية التي لا تحضر في النشرات والبرامج إلا عرضاً أو في سياقات موسمية. ونتيجة لذلك، تتقلص إمكانية بناء سردية وطنية متوازنة تُبرز التعدد الترابي والثقافي للمغرب، كما تُضعف قدرة الإعلام العمومي على أداء أدواره في الإنصاف المجالي والتماسك الاجتماعي. لذا، فإن تجاوز هذا التفاوت يقتضي إدماج البعد الجهوي في سياسات التحرير، وإعادة النظر في آليات إنتاج الأخبار والبرامج بما يجعلها مرآة فعلية لتنوع المغرب في مجالاته كلها

 الإعلام الخاص: توجه تجاري يرسخ التفاوتات

أما الإعلام الخاص، ورغم هامش الحرية الأوسع الذي يتمتع به مقارنة بالإعلام العمومي، فإنه لا يشذّ عن القاعدة، إذ يظل هو الآخر أسير المنطق المركزي نفسه في إنتاج المضامين وتوزيعها. فالقنوات والصحف الخاصة تتركز في المدن الكبرى، حيث تتجمع مقرات الشركات الإعلانية والمكاتب الصحفية وشبكات البث، مما يجعل اهتمامها بالمجال الحضري خياراً اقتصادياً قبل أن يكون تحريرياً. يعود هذا التوجه إلى طبيعة نموذج التمويل القائم على سوق الإشهار، الذي يتمركز بدوره في المحور الاقتصادي الرباط – الدار البيضاء، ما يجعل الإعلام الخاص أكثر استجابة لمتطلبات المعلنين من استحقاقات الإنصاف المجالي أو خدمة الصالح العام

كما أن ضعف البنية التحتية الإعلامية في المناطق الداخلية – من غياب المراسلين الدائمين وضعف الخدمات التقنية وصعوبة الوصول إلى المعلومة المحلية – يجعل هذه المجالات شبه غائبة عن النشرات والبرامج الخاصة. وعندما تحضر، فإنها غالباً ما تُستحضر في سياقات استثنائية مرتبطة بالكوارث أو الحوادث، مما يُكرّس صورة نمطية عن الهامش بوصفه فضاءً للأزمات لا فضاءً للحياة اليومية أو المبادرة المحلية. هذه البنية تجعل الإعلام الخاص يساهم، عن وعي أو عن غير قصد، في إعادة إنتاج الفوارق الترابية والثقافية التي يعاني منها المغرب، ويحدّ من إمكانية بناء مشهد إعلامي وطني متوازن يعكس التعدد المجالي والاجتماعي للمجتمع المغربي

مقارنة وتحليل

من خلال المقارنة بين الإعلام العمومي والخاص، يتضح أن الاختلاف بينهما لا يتجاوز الشكل أو المنطلق، بينما يشتركان في البنية العميقة التي تُنتج التفاوت المجالي في التمثيل الإعلامي. فالإعلام العمومي، رغم مجهوداته النسبية في إبراز التنوع الثقافي واللغوي عبر النوافذ الأمازيغية والحسانية، يظل أسير تصور مركزي للدولة يجعل من العاصمة ومحيطها محور الاهتمام والأولوية في التغطية. إن هذا التوجه لا يعكس فقط اختلالاً في توزيع الأخبار، بل يعبر عن  تصور هرمي للوطنية ، تُقاس فيه أهمية المجالات بمدى قربها من مركز القرار السياسي والاقتصادي.

أما الإعلام الخاص، فرغم ما يتمتع به من مرونة واستقلال نسبي عن الدولة، فإنه يخضع لمنطق السوق والإعلانات الذي يعيد إنتاج المركزية ذاتها، ولكن بأدوات تجارية. فتركيز الإشهار في المدن الكبرى يجعل من تغطية تلك المدن خياراً مربحاً، بينما يُنظر إلى المناطق القروية والجبلية كفضاءات غير استهلاكية، وبالتالي غير جذابة للمعلنين. هذا المنطق الاقتصادي يُنتج إقصاءً بنيوياً للفئات والمجالات الهشة، إذ يتم  تهميش القضايا التي لا تدرّ أرباحاً أو لا تتماشى مع أجندة السوق، فيتحول الإعلام من خدمة عمومية أو مرفق اجتماعي إلى آلية لتكريس التفاوتات الرمزية والمجالية.

وبذلك، فإن الفارق بين الإعلام العمومي والخاص لا يتعلق بدرجة الحرية أو بنمط الملكية، بل بطبيعة المرجعية التي تحكمهما معاً: الأولى سلطوية مركزية، والثانية اقتصادية سوقية، وكلتاهما تُفضي في النهاية إلى النتيجة نفسها، وهي ضعف تمثيل الهامش وغياب العدالة الإعلامية المجالية

خاتمة

إن تجاوز هذه الاختلالات يقتضي وضع سياسات تحريرية ملزمة تراعي التوازن بين الجهات، وتشجع على إنتاج محتوى يعكس فعلاً التعدد المجالي والثقافي للبلاد. كما أن تعزيز الأدوار الرقابية للهاكا وربطها بإجراءات عملية (كالحصص الدنيا للتمثيلية الجهوية) من شأنه أن يضمن حضورا أعدل للمغرب العميق، فلا يبقى الإعلام مرآة لجزء محدود من الوطن فقط.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.