وإذا الثقافة سئلت بأي ذنب قتلت
بقلم: زكية لعروسي
لم نسع يوما الى ان نزاحم في قاعات السياسة او نمد ايدينا لمصافحة المناصب الرسمية. سعينا أسمى: أن نبقي على جذوة الثقافة حية لأنها الروح التي تحفظ للإنسان كرامته وللوطن حضوره في وجدان أبنائه… ومع ذلك، عقلي ظلّ وما زال يئنّ من سؤال حارق: كيف يعقل أن يكون لنا “دار” تحمل إسم المغرب في قلب باريس، ثم نجد أنفسنا نتسوّل قاعة صغيرة لإقامة أمسية شعرية أو نشاط ثقافي متواضع؟
قالوا عن الثقافة كلاما هلاميا، وحين رفعنا الصوت البسونا ثوب لون أبي لهب. أما مركزنا الثقافي فشبح موءود، جنازته قائمة منذ الميلاد. أينما ولينا وجوهنا بإسم الثقافة إصطدمنا بواقع معطوب. انيرونا يا مسؤولينا: من يمثل سفراء مغربنا في الثقافة؟ لماذا يقصى المثقف المغربي من فضاءات اليونسكو ونحن في عقر دار الحكمة والعلم؟ اين هي لوائح المثقفين عند المسؤولين هناك؟ أم ان الثقافة صارت حكرا على من يملكون مفاتيح الملف لا مفاتيح الفكر؟
ابن المقفع الذي رأى الثقافة ضوء العقل في مواجهة الظلام لو بعث اليوم بيننا، لقال أنكم وأدتم الكلمة قبل ان تولد. ابن بطريق الذي كتب عن الحكمة ومصائر الأمم، لو شهد حالنا، لقال انكم إستبدلتم المجد بالعبث. وإبن حوقل في رحلاته كان يرى الأمصار تعتز بثقافتها، فكيف بنا ونحن في باريس ولا نملك نافذة لإظهار وجوهنا الثقافية؟
طرقنا الابواب، جربنا كل الممرات، تعلقنا بأمل جديد مع إدارة دار المغرب… فازدادت الوعود موءودة. وعود كتبت على الماء، لا على الورق. وعود تتساقط موتى قبل أن تولد. وعود مؤجلة، مؤجلة الى ما لا نهاية.
لم نطلب المستحيل: أمسية شعرية، نفس صغير للغة ام تتنفس بنا ومغرب ننفس به. لكن الصمت المتعالي كان الجواب: هل عندك البطاقة المناسبة؟ وهل صار الإبداع مرهونا ببطاقة إنتماء إداري لا بطاقة وجدان؟
أبواب موصدة، مساحات مغلقة… دار المغرب في باريس ليست جدرانا للاقامة فحسب، بل بيتا يفترض ان يحتضن أبناءه: بفضاءاته، بصالوناته، بروحه. فما هي المعايير؟ من يقرر من يستحق ان ينطق؟ ومن يقصى؟ بأي حق يعتبر الشاعر او المثقف المهاجر غير جدير بصوته؟
دار المغرب لا ينبغي ان تكون عنوانا صامتا، بل بيتا نابضا: جدرانها للابداع، صالوناتها للعطاء، ومساحاتها لتلاقح الفكر. نحن في قلب باريس، قلب العالم المفتوح، ومع ذلك نحرم من التعبير، وكأن التهميش يلاحقنا مرتين: مرة في أرض الوطن، ومرة في بيت المهجر.
نكتب ونكتب… لكن الصدى غائب، واللامبالاة متربعة. فماذا نفعل؟ انركن الى قضاء وقدر؟ لا! لان القدر بريء من التواطؤ الإداري ومن الاقصاء الثقافي. انما هو قرار انساني، مسؤولية بشرية، وإرادة صادقة مفقودة.
يا مسؤولي الوطن:
الثقافة ليست نافذة جانبية، بل هي روح الأوطان. لا تخنقوا الأصوات، لا تصادروا الكلمة، لا تجعلوا من الشعراء غرباء في بيوت تحمل أسماء اوطانهم.
إن الثقافة، إن خنقت، مات الوطن في قلوب أبنائه. نحن لا نطلب امتيازات، ولا نسعى لمناصب. نطلب فقط فضاء للتعبير، منبرا للكلمة الحرة، وبيتا يحتضن المثقف بدل ان يلفظه.

صدقت الكلام أيتها النابضة بطعم الهجرة،والغيورة على ثقافتنا التي تتبرأ ممن يحمل مسؤولية إ دورتها خارج أسوار الوطن… لك التحيات الأخت العروسي