الجالية المغربية بباريس تصرخ: متى ينهض مركزنا الثقافي من خدره ويخرج من غيبوبته؟
بقلم: زكية لعروسي
الصمت، يا قارئي الكريم، صار لعنة على رأس الجالية، جرحا ينخر في صميم العلاقة بين الوطن ومغتربيه. كل مرة يرفع فيها خطاب جلالة الملك ،نصره الله، عن الحوار، عن الانفتاح، عن التقارب مع أبناء الجالية، نجد أنفسنا نسير في مسافة تتسع كل يوم بيننا وبين المؤسسات، بين الصوت والكلمة، بين الحقوق والوعود. وكأن الكلام بلا فعل، والحوار بلا استجابة، أصبح قدرنا المحتوم، لعنة تتوارثها أجيالنا.
في كل مرة نطلب فيها لقاء، يهبط الصمت كالرمح في القلب. كلما حاولت المرأة، التي تمثل نصف المجتمع، أن تتوسط للحوار، تجد الردود خافتة أو معدومة، أو مجرد إحالات إلى قوائم مختارة، محدودة العدد، وكأن وجودك وحاجتك للحوار مجرد خطأ، وعيب، وسبب للإحباط. تتصل فتسمع الصمت، تسأل فتلقاها اللامبالاة، تطلب التوضيح في الهاتف فتجد الازدراء، والوعود كأوراق تتطاير في مهب الريح.
أين هو خطاب صاحب الجلالة؟ أين هو الشعور بالمسؤولية تجاه المغاربة في المهجر؟ هل نحن لا نتفق على تعريف الثقافة والمثقف؟ هل المثقف المغربي صار عبئا على مؤسسات ترعى مصالحها الخاصة أكثر من أن ترعى مصالح وطنها في الخارج؟ المسؤولون، بغير قليل من الاستثناءات، كأنهم في واد آخر، بعيد عن نبض الجالية، غارقون في روتين إداري جاف، لا يعرف معنى الحوار، ولا قيمة الإرث الثقافي.
غياب مركز ثقافي مغربي محسوس بوضوح، صار صرخة مفقودة، تنهش في القلب قبل أن تنهش في الفعل. متى ستفتح أبوابه؟ نحن تعبنا من الانتظار الطويل، من الوعود الكاذبة، من صمت الإدارات التي تظن أن الثقافة إمتيازا، بينما هي الحياة نفسها. المركز الثقافي ليس امتيازا لأحد، ولا رفاهية تقدّم كهدية، بل متنفس للهوية، لجسور اللغة والوطنية، لروح المغتربين الذين يريدون أن يحافظوا على علاقتهم بأرضهم وأبنائهم، وأن ينقلوا لهم معنى الانتماء الحقيقي، تمغرابيتهم وهويتهم المغربية.
دار تفتح لكفاءات الغربة… لكل من يعرف نريده نبضا للوطن، وضمادة لجراخ وأوجاع المثقفين المغتربين.
المثقف المغربي ليس عدوا، ولا خصما، المثقف جندي الوطن، قلبه نابض بالوعي، عقله مرآة للجالية، وروحه حاضنة للهوية. ومع كل هذا، يقابل بالصمت، بالإهمال، بالخذلان.
السياسة والثقافة متوازيتان، ولكل منهما دوره. لكن حين تطلب النشاط الثقافي، تجد حائطا من التجاهل، أو حججا عن ميزانية غير موجودة، وكأن الإبداع صار جريمة. في حين بلدان أخرى تحتفل بمهرجانات أسبوعية، نحن نتوسل أمسية أدبية، ونتلقى الصمت كالجزاء. كل هذا يزرع الحزن في القلوب، ويؤكد أن هناك خللا عميقا في فهم العلاقة بين الجالية والمؤسسات.
ومع ذلك، يبقى التفاؤل قائما. المؤسسة المحمدية التي نحلم بها، والتي ننتظر أن تعطي فرصة للكفاءات، خصوصا تلك من المهجر، لا تزال ممكنة. هؤلاء الذين عاشوا بين الواقع الثقافي للمغرب والمهجر، يعرفون وجع الثقافة، يعرفون حاجات المغتربين، ويستطيعون فتح قنوات حوار حقيقية، وتسهيل تواصل مثمر بين الجالية والوطن. الحوار ممكن، العمل ممكن، لكن من لا يريد سماع صوت المثقف لا يمكن أن يحقق شيئا.
المركز الثقافي المغربي ليس ترفا، بل ضرورة وطنية استراتيجية. جسرا للأجيال، وفضاء للإبداع، وسلاحا ضد الانقطاع الثقافي والهوياتي. هو المكان الذي يعبر فيه المغترب عن وطنيته، وعن تمغرابيته، وعن حبه لبلده دون خوف من التجاهل أو الإقصاء.
إلى متى سيبقى المثقف والمغترب في صمت مريب؟ إلى متى سيظل الصوت الحر بلا صدى؟ الأمل موجود، والفرصة قادمة، لكن الوقت يداهمنا. فإذا لم تتحرك المؤسسات، وإذا لم يفتح المركز، سيظل الجيل القادم بلا جسور، بلا معرفة، بلا رابط بين الهوية والوطن.
إننا بحاجة إلى أن تتحمل المؤسسات مسؤوليتها، وأن تفهم أن المثقف المغربي ليس مجرد زائر، بل هو جندي الوطن، وهو همزة الوصل بين الماضي والحاضر، بين الأرض والمهجر، بين الوعي والصرخة. الصمت لم يعد مقبولا. حان الوقت لكسر هذا الصمت، وفتح الأبواب، وإعطاء الكلمة، ومنح الفعل، لمن يستحق أن يسمع، لمن يعرف قيمة الوطن، ومن يعرف أن الثقافة ليست رفاهية، بل هي الحياة نفسها.
