دوار أولاد تاونزة ..صرخة مكتومة في وجه كارثة بيئية مستمرة
تازّة، المغرب – (نقلاً عن منشور على صفحة “المرصد الإخباري المغربي – تازة” على فيسبوك) في قلب منطقة تازة، وبالتحديد في دوار أولاد تاونزة بجماعة اكزناية الجنوبية، تتكشف فصول كارثة بيئية تتفاقم يومًا بعد يوم، لتلقي بظلالها الثقيلة على صحة وسلامة السكان. فبين الأدخنة الخانقة المنبعثة من مطرح للنفايات عشوائي، والمياه العادمة التي تجري دون معالجة في مجارٍ طبيعية، يعيش أهالي الدوار كابوسًا بيئيًا وصحيًا يهدد حياتهم، في مشهد يتكرر منذ سنوات دون أي تدخل فعال لوقف هذا النزيف البيئي.
حياة تحت سحابة الدخان والروائح الكريهة
ليلٌ بعد ليل، تستقبل سماء دوار أولاد تاونزة سحابة كثيفة من الدخان الأسود، قادمة من مطرح النفايات العشوائي الذي بات يمثل خطرًا يوميًا مباشرًا على السكان. يتسبب الحرق العشوائي للنفايات في انبعاث غازات سامة، تحمل مكونات مسرطنة ومسببة لأمراض تنفسية وجلدية خطيرة. وقد باتت حالات الاختناق وصعوبات التنفس مشهدًا مألوفًا، خاصة بين الأطفال والمسنين وذوي الأمراض المزمنة، لتتحول المساحات الخضراء المحيطة بالدوار إلى بؤر للتلوث والأمراض. “لم نعد نستطيع التنفس بحرية، خاصة في الليل،” يقول أحد سكان الدوار بمرارة، مضيفًا: “أطفالنا يعانون من السعال المستمر ومشاكل في الصدر، وكأننا نعيش في مكب نفايات كبير.”

المياه العادمة: خطر آخر يتهدد الأرض والإنسان
لا يقتصر الخطر على النفايات الصلبة. ففي مشهد لا يقل خطورة، تصب المياه العادمة من الدوار مباشرة في مجاري طبيعية دون أي معالجة. هذا الواقع يفاقم من تلوث التربة ويهدد الفرشة المائية، التي تعد شريان الحياة في منطقة تعتمد بشكل أساسي على النشاط الفلاحي. وتؤدي هذه الممارسات إلى تلويث المحاصيل الزراعية ومصادر المياه الجوفية، مما ينذر بكارثة بيئية وصحية أوسع نطاقًا، وقد يؤثر على السلسلة الغذائية برمتها. “أخشى أن ما نزرعه أصبح ملوثًا، وأن المياه التي نشربها لم تعد آمنة،” يعبر فلاح من المنطقة عن مخاوفه، مؤكدًا أن هذا الوضع يهدد مصدر رزقهم الوحيد.
صمت مؤسسي يثير تساؤلات حول المسؤولية
على الرغم من الشكايات المتعددة والموقعة التي رفعها سكان دوار أولاد تاونزة إلى مختلف الجهات المسؤولة، إلا أن الاستجابة ظلت محدودة أو منعدمة. هذا الصمت المريب يثير تساؤلات حادة حول المسؤولية المؤسسية في معالجة هذه الكارثة البيئية والإنسانية:
- المجالس المنتخبة: الأقرب للمواطنين، والمطالبة بتحمل مسؤولياتها الكاملة وتفعيل اختصاصاتها في حماية الصحة والبيئة.
- السلطة المحلية: مدعوة للتدخل العاجل للحد من الأضرار البيئية والصحية، والتنسيق مع المصالح الخارجية المعنية.
- مصلحة المياه والغابات والبيئة بأكنول: مطالبة بالقيام بدورها الرقابي والميداني وتفعيل المساطر القانونية في مثل هذه الحالات.
- مسؤولو البيئة على الصعيد الإقليمي: يجب أن يتحركوا في إطار مهامهم لحماية المجال الطبيعي وصحة الساكنة، بناءً على الشكايات والملاحظات الميدانية.
مطالب مشروعة لوقف النزيف
لا يطلب سكان دوار أولاد تاونزة إلا حقهم الدستوري في بيئة سليمة، كما ينص الفصل 31 من دستور المملكة. وتتركز مطالبهم المشروعة والعاجلة على أربع نقاط أساسية:
- الإغلاق الفوري للمطرح العشوائي وتعويضه بمركز تدبير نفايات منظم يراعي المعايير البيئية والصحية.
- إحداث محطة أو نظام لمعالجة المياه العادمة يراعي المعايير الصحية والبيئية ويمنع تلوث المجاري الطبيعية.
- إيفاد لجنة إقليمية عاجلة مكونة من جميع المصالح المختصة لإجراء معاينة ميدانية دقيقة واتخاذ التدابير المستعجلة واللازمة.
- فتح تحقيق شامل في أسباب التراخي المؤسسي، وتحديد المسؤوليات الإدارية والتقنية وتقديم المتخاذلين للعدالة.
إن الوضع في دوار أولاد تاونزة لم يعد يحتمل مزيدًا من التأجيل أو التسويف. فاستمرار هذا الإهمال لا يضر بالبيئة فقط، بل يقوض الثقة في المؤسسات التي يفترض أن تكون في خدمة المواطن وحماية صحته وسلامته. والمطلوب اليوم، وقبل فوات الأوان، تدخل سريع وجدي ينقذ ما يمكن إنقاذه، ويعيد للساكنة حقهم في حياة كريمة وسط بيئة نظيفة وآمنة. إنها دعوة عاجلة للمسؤولين لكي يستمعوا لصرخات الأهالي، وأن يدركوا أن حماية البيئة هي حماية للإنسان، وللمستقبل.
