بن جرير نموذج مغربي رائد في الاستدامة والمعرفة (مجلة Challenge العدد 971)

0

بن جرير نموذج مغربي رائد في الاستدامة والمعرفة (مجلة Challenge العدد 971)

ضمن العدد 971 من مجلة “Challenge” ، سُلط الضوء على مدينة بن جرير، التي تتحول اليوم إلى أيقونة للعدالة الترابية وإلهامًا للتنمية في المغرب والعالم. هذه المدينة، التي كانت تُعرف سابقًا بكونها “بلدة شبه مهمشة” في قلب “المغرب غير النافع” ، أصبحت اليوم “المدينة الخضراء محمد السادس” ، ومركزًا للمعرفة والأمل.

يُعد هذا التحول جزءًا لا يتجزأ من سياق تاريخي وطني حديث ومميز ، ارتبط بمسار المصالحة الوطنية وطي صفحة “سنوات الرصاص” التي شهدت “انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان”. فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش في يوليو 1999، أُعرب عن إرادة سياسية حازمة لطي هذه الصفحة وتسريع عملية المصالحة التي بدأها الملك الراحل الحسن الثاني. هذه الرؤية الملكية كانت حاسمة في دفع عجلة التنمية في بن جرير.

المدينة الخضراء: تجسيد للاستدامة

تتميز المدينة الخضراء محمد السادس، التي أُطلقت في نوفمبر 2012 ، بكونها نموذجًا مغربيًا للاستدامة، حيث تلعب البيئة والاستدامة دورًا محوريًا في تخطيطها. ويُشرف على تطوير هذا المشروع الطموح مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP).

تستجيب المدينة للعديد من معايير الاستدامة الحضرية. ففيها يتم “فرز النفايات وإعادة استخدامها وتدويرها بعناية”. كما “تعالج محطة لمعالجة المياه العادمة مياه الصرف الصحي” ، وتوفر “محطة للطاقة الشمسية 30% من احتياجات الطاقة للجامعة خلال النهار”. وتنتشر بها “ممرات للدراجات” يُستخدم فيها دراجات وسكوترات كهربائية ذاتية الخدمة، بفضل تطبيق طوره طلاب الجامعة.

ويبلغ نصيب الفرد من المساحات الخضراء في المدينة “20 مترًا مربعًا” ، وهو ما يتجاوز بكثير نظيره في المدن المغربية الأخرى (1 متر مربع/مقيم في الدار البيضاء حاليًا). كما أن المباني مصممة لتكون مستدامة وفعالة من حيث استهلاك الطاقة، بهدف تقليل الأثر البيئي.

جامعة محمد السادس متعددة التخصصات (UM6P): منارة المعرفة

في قلب بن جرير، بُنيت جامعة محمد السادس متعددة التخصصات (UM6P) ، التي تُعد “منارة تُسلط الضوء على اتجاهات جديدة غير مستكشفة”. تأسست الجامعة في عام 2013 من قبل مؤسسة OCP، وافتُتحت في عام 2017. وهي “مؤسسة مغربية للتعليم العالي تركز على البحث التطبيقي والابتكار والتنمية المستدامة، مع توجه إفريقي قوي”.

تهدف الجامعة إلى “الاستجابة لتحديات المغرب وإفريقيا في مجالات البحث والابتكار والتكوين”. وشهدت الجامعة نموًا سريعًا، مع زيادة سنوية في عدد الخريجين تتراوح “بين 15% و 40%”. كما تقيم شراكات مع مؤسسات إفريقية ودولية، بما في ذلك جامعات مرموقة مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والمدرسة الفيدرالية للتقنيات في لوزان، وكلية كولومبيا للأعمال. وفي عام 2024، “دخلت الجامعة ضمن أفضل 500 جامعة عالميًا في تصنيف التايمز للتعليم العالي” ، لتكون “الجامعة الأولى في المغرب وشمال إفريقيا”.

وتضم UM6P العديد من المدارس والمعاهد، التي تغطي مجالات متنوعة كالهندسة، الزراعة، العلوم الاجتماعية، الصحة، وتكنولوجيا المعلومات. ومن أبرزها، “مدرسة المناجم لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات (EMINES)” ، التي خرّجت “368 طالبًا بين عامي 2017 و 2024” ، بنسبة إدماج مهني بلغت “84% في غضون ثلاثة أشهر من التخرج”. والأكثر إلهامًا هو أن “معظم طلاب الجامعة يأتون من عائلات فقيرة، بل فقيرة جدًا” ، حيث أن “ثلثي الطلاب على الأقل يحصلون على منح دراسية”.

مجموعة OCP: محرك التغيير

لعبت مجموعة OCP، التي تُعد أول مؤسسة عمومية مغربية ، دورًا محوريًا في هذا التحول. فقد أدخل طاقم العمل الجديد، بقيادة مصطفى التراب ، “نفسًا جديدًا ومعنى جديدًا في إدارة عملاق الفوسفاط العالمي”. ويُعد التراب أيضًا “فاعلًا رئيسيًا في إنشاء جامعة محمد السادس متعددة التخصصات (UM6P)، بصفتها مركز تفكير لمجموعة OCP”.

وتقف مجموعة OCP اليوم في طليعة حماية البيئة ، بفضل “الاعتماد المتزايد على الطاقات المتجددة والإدارة المستدامة والمسؤولة للموارد المائية” ، مثل “معالجة وإعادة تدوير المياه العادمة وتحلية مياه البحر”. ويعكس “مخطط الاستثمار الأخضر لمجموعة OCP” ، هذا التحول الطاقي الأساسي، مما يجعل المغرب “نموذجًا معترفًا به عالميًا ومُشار إليه في مجال إزالة الكربون”.

هناك “علاقة وطيدة” بين مجموعة OCP وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات، تُجسد “الاندماج العضوي بين ‘النظرية والتطبيق’، بين ‘المعرفة والخبرة والكفاءة’، لإفساح المجال لبحث تطبيقي ومبتكر”.

تنمية إقليمية شاملة

لا يقتصر التطور في بن جرير على المدينة الخضراء والجامعة فحسب، بل يمتد ليشمل تنمية إقليمية شاملة. فخلال زيارة الملك محمد السادس لمنطقة الرحامنة في عام 2010 ، تم “توقيع 12 اتفاقية شراكة لتأهيل وتنمية المنطقة”. وشملت هذه الاتفاقيات مجالات متنوعة مثل “التأهيل الحضري” ، و”مكافحة الهدر المدرسي” ، و”التكوين المهني” ، و”تأهيل قطاع الصحة” ، و”بناء سدود للحماية من الفيضانات” ، و”تأهيل الطرق القروية” ، و”إنشاء محطة لمعالجة المياه العادمة” ، و”إنشاء مقاولات صغرى” ، و”إنشاء مركز لتربية الأغنام” ، وصولًا إلى “الاتفاق على إنشاء قطب حضري جديد يسمى ‘المدينة الخضراء'”.

كما شهدت المدينة افتتاح “فندق فاخر DoubleTree by Hilton” و”مركز دولي للأورام” من قبل مجموعة أكديتال، ضمن “مدينة الرعاية الصحية المستقبلية”. وتُعد بن جرير اليوم “مختبرًا حيًا” ، يتم فيه “اختبار الابتكارات على نطاق حقيقي” ، وتمزج بين “البحث العلمي والتجارب التكنولوجية ومشاركة المواطنين”.

ختامًا، تُعد بن جرير، كما جاء في مجلة “Challenge” ، “نموذجًا لتغيير المعطيات” ، ومثالًا حيًا على إمكانية بناء “مدن مستدامة” قادرة على الاستجابة لتحديات القرن الحادي والعشرين ، وتُجسد طموح المغرب في أن يكون “رائدًا في خلق مدن جديدة”.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.