32 مليون درهم لم تمنع مركز جماعة انزالت لعظم من الغرق في الصرف الصحي .. نمو ديموغرافي ضاغط، سنوات من الانتظار، وتدخل عاملي يُجدد الأمل!
محمد الدفيلي:
إقليم الرحامنة، خبر24: منذ سنوات، تعيش “تجزئة النهضة” و”المركب المندمج” و”القسم الداخلي”، إضافة إلى ساكنة “دوار انزالت لعظم” و”الموزوني” – وكلها مناطق تمثل مركز “جماعة انزالت لعظم” بإقليم الرحامنة – على إيقاع كارثة بيئية وصحية صامتة. مياه الصرف الصحي المتدفقة حوّلت حياة المئات من المواطنين والتلاميذ إلى معاناة يومية، في قصة بدأت فصولها بعد تدشين مشروع بيئي ضخم، وما زالت تنتظر حلولها النهائية في دهاليز الدراسات والوعود المؤجلة. هذه ليست المرة الأولى التي تدق فيها “خبر24” (www.k24.ma) ناقوس الخطر حول هذا الملف، فقد سبق للجريدة أن نبهت مراراً وتكراراً لواقع الحال، في متابعة مستمرة لمعاناة باتت سمة يومية.
حلم بـ32 مليون درهم تحول إلى منبع للمرض والروائح الكريهة:

يعود المشهد الأول لهذه القصة إلى يوم السبت 24 فبراير 2018، عندما عمت أجواء التفاؤل “جماعة انزالت لعظم”. يومها، أشرفت كاتبة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة آنذاك، السيدة نزهة الوافي، على تدشين محطة لمعالجة المياه العادمة بالمنطقة. مشروع طموح أُقيم على مساحة أربعة هكتارات ونصف، بغلاف مالي قدره 32 مليون درهم، وكان الهدف المعلن منه “إعادة استعمال هذه المياه في سقي المساحات الخضراء والأراضي والضيعات الفلاحية مستقبلاً”. وعود براقة رافقتها تصريحات بأن إقليم الرحامنة “يشكل مشتلاً لإنجاح مجموعة من المشاريع البيئية”، وأن “إنجاز محطات المعالجة وشبكات التطهير السائل” سيغير وجه المنطقة.
لكن ما حدث بعد التدشين كان مختلفاً تماماً. فبدلاً من أن تجفف المحطة منابع التلوث، بدأت مياه الصرف الصحي تتدفق بشكل مستمر لتغزو شوارع وأزقة “تجزئة النهضة”، ومحيط “المركب المندمج”، والمؤسسة التعليمية بما فيها “القسم الداخلي”، وصولاً إلى “دوار انزالت لعظم” و”الموزوني”. “الروائح الكريهة والحشرات الضارة أصبحت رفيقنا اليومي، خاصة في محيط المدرسة”، هكذا يصف أحد سكان تجزئة النهضة الوضع لـ”خبر24″، مؤكداً أن “المشكلة تفاقمت وتكررت منذ سنوات، بعد هذا التدشين تحديداً”.
أسباب متشابكة.. نمو ديموغرافي يفاقم الأزمة ونقص في الكفاءات والوعي:

لماذا تحول مشروع بهذا الحجم إلى مصدر للمشكلة بدلاً من حلها؟ الأسباب، حسب ما كشفت عنه معطيات “خبر24” من مصادر مطلعة، تبدو متشابكة ومعقدة:
- نمو ديموغرافي متسارع: يُعد التزايد السكاني أحد العوامل الرئيسية في تفاقم الأزمة. فوفقًا لإحصاء السكان والسكنى الذي أجرته المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2024، شهدت جماعة انزالت لعظم نمواً ملحوظاً بين عامي 2014 و2024 بإضافة 4,797 نسمة، حيث بلغ مجموع ساكنتها 19,635 نسمة. هذا النمو فاقم الضغط على البنية التحتية القائمة والمحطة التي قد لا تكون مصممة لاستيعاب هذا التوسع الهائل.
- نقص الكفاءات المحلية: تُعاني جماعة انزالت لعظم من نقص حاد في الأطر التقنية والفنية المؤهلة القادرة على تسيير وتشغيل محطة معالجة مياه عادمة بهذا الحجم والتعقيد، مما أثر بشكل مباشر على فعاليتها.
- شح الموارد المالية: الجماعة لا تتوفر على مداخيل مهمة تمكنها من التعاقد مع مختصين أو شركات متخصصة لضمان الصيانة والتشغيل الاحترافي للمحطة.
- شبكة متهالكة: حتى لو عملت المحطة بكامل طاقتها، فإن البنية التحتية لشبكة الصرف الصحي القديمة والمهترئة في مركز الجماعة لا تستطيع استيعاب الضغط المتزايد، مما يؤدي إلى انسدادات وفيضانات متكررة.
- ضعف الوعي: يُشار أيضاً إلى غياب الوعي الكافي لدى جزء من الساكنة بضرورة الحفاظ على شبكة الصرف الصحي وعدم رمي المخلفات الصلبة التي تتسبب في انسداد المجاري.
وقد وصلت هذه المعاناة ذروتها مؤخراً في مراسلات رسمية وجهتها “ودادية تجزئة النهضة” إلى كل من رئيس جماعة انزالت لعظم، وقائد قيادة لوطا، وعامل عمالة إقليم الرحامنة، مطالبة بالتدخل العاجل.
تدخل عاملي وقيادي ميداني.. وعملية إزالة المخلفات تتواصل!

في استجابة سريعة للشكايات المتواترة، وتحت التعليمات المباشرة والتوجيهات السامية من السيد عامل إقليم الرحامنة، تحركت السلطات المحلية بقيادة لوطا بجدية.
فحسب معطيات حصلت عليها “خبر24″، شهد يوم أمس الجمعة 30 ماي 2025، إشراف السيد قائد قيادة لوطا شخصياً على التدخل العاجل لمعالجة المشكلة ميدانياً. هذا التحرك القيادي المباشر تم بحضور أعوان السلطة المحلية، وقد اضطلع به فريق متخصص مجهز بآليات تابعة للشركة الجهوية متعددة التخصصات لجهة مراكش-آسفي. وقد عمل الفريق بجد على الحد من الترسبات البيئية وإزالة المخلفات التي أدت إلى خنق المجاري وتدفق المياه العادمة في شوارع وأحياء مركز الجماعة. وتجدر الإشارة إلى أن عملية إزالة تلك المخلفات استمرت لهذا اليوم السبت 31 ماي 2025، مما يؤكد حجم المشكل والجهد المبذول في معالجته.


هذا التدخل الميداني السريع والمباشر من قبل السلطات المحلية و الإقليمية لاقى ارتياحاً كبيراً لدى الساكنة المتضررة،حسب تصريحات بعضهم، التي رأت فيه بصيص أمل في إنهاء سنوات من المعاناة، ويُبرز جدية التعامل مع الملف على المستويين الإقليمي والمحلي.
حلول معلقة: الجميع ينتظر نتائج دراسة سابقة!
ومع أن التدخل الطارئ قد خفف من حدة المشكل بشكل آني، إلا أن السؤال حول الحل الجذري والنهائي لا يزال قائماً. فالمشكلة ليست وليدة اللحظة، وهي تتجاوز مجرد انسداد هنا أو هناك.
فوفقاً لمصادر “خبر24″، كانت لجنة مختصة من الشركة الجهوية متعددة التخصصات لجهة مراكش-آسفي، قد حلت بالمنطقة في الشهور السابقة، وبتدخل من عامل الإقليم، وذلك بهدف معاينة الوضع وإنجاز دراسة شاملة لمشاكل الصرف الصحي ومحطة معالجة المياه العادمة بإنزالت لعظم، على أمل إيجاد حلول عملية ونهائية لهذه المشاكل.
ولكن، إلى حد اللحظة، لا يزال الجميع ينتظر: السلطات المحلية والإقليمية، مسؤولو الجماعة، والأهم، الساكنة المتضررة؛ في ترقب لنتائج تلك الدراسة والخطوات اللاحقة التي يفترض أن تُترجم إلى حلول ملموسة وناجعة تنهي فصول هذه القصة البيئية المؤلمة التي أصبحت جزءاً من تاريخ “جماعة انزالت لعظم” منذ ما يقارب السبع سنوات.
إن “خبر24” إذ تثمن هذا التجاوب السريع للسلطات في التعامل مع الأعراض، فإنها تدعو إلى الإسراع في الكشف عن نتائج الدراسة المذكورة وتفعيل الحلول التي ستنبثق عنها، لإنهاء هذا الكابوس البيئي الذي يهدد صحة وراحة ساكنة “انزالت لعظم”، وإعادة الثقة في المشاريع التنموية التي تصرف عليها أموال طائلة، حتى يتم تحقيق حل جذري ودائم.
