بين مكافحة المخدرات وتدمير البيئة .. معضلة “الحرق السام” في آسفي
لم تقتصر سحب الدخان المتصاعدة على مداخن المصانع التي طالما لوثت هواء سماء مدينة آسفي المغربية مؤخرًا، انضافت إليها سحابة أخرى، أكثر إثارة للقلق وأشد وطأة على البيئة والصحة العامة، ناتجة عن حرق أطنان من مخدر الشيرا ونبتة الكيف. هذا الفعل، الذي جاء في سياق جهود مكافحة الاتجار بالمخدرات، أثار حفيظة المجتمع المدني، وعلى رأسه الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والبيئة بآسفي، التي أطلقت بلاغًا قوي اللهجة يدق ناقوس الخطر ويفتح ملفًا شائكًا حول “الحرق السام”.
لا شك أن الجهود الأمنية المبذولة في محاربة الجريمة تستحق التنويه والتقدير. فمحاربة تجارة المخدرات هي ضرورة لحماية المجتمع من آفاتها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يجب أن يكون ثمن هذه المكافحة تدهور البيئة وتعريض صحة المواطنين للخطر؟
بلاغ الجمعية كان واضحًا في نقده للطريقة التي تم بها إتلاف المخدرات. فوصف “الحرق المباشر” بالـ “العشوائي” و “المدمر بيئياً” يعكس قلقًا مشروعًا. فكميات هائلة من المواد المخدرة المحترقة في الهواء الطلق تطلق سمومًا وغازات ضارة تتسبب في تلوث الهواء وتزيد من معاناة سكان منطقة تعاني أصلًا من وطأة التلوث الصناعي. هذا الإجراء يمثل انتهاكًا صريحًا للحق في بيئة سليمة وآمنة، وهو حق تكفله الدساتير والقوانين الوطنية والدولية.

الأكثر إلحاحًا هو أن الجمعية لم تكتف برصد المشكلة، بل قدمت حلولًا عملية ومبتكرة. فالاقتراح باللجوء إلى محارق صناعية متخصصة هو حل منطقي يقلل بشكل كبير من الانبعاثات الضارة ويضمن إتلافًا آمنًا للمواد. أما التفكير في إعادة توظيف نبتة الكيف في صناعات أخرى مثل الأدوية والنسيج، فهو يفتح آفاقًا اقتصادية واعدة ويحول مادة تعتبر “آفة” إلى مورد يمكن الاستفادة منه تحت رقابة صارمة. والدعوة إلى إطلاق دينامية علمية لدراسة سبل تثمين هذه المواد بدلًا من مجرد إتلافها، فهي دعوة إلى التفكير الاستراتيجي والبحث العلمي لإيجاد حلول مستدامة.
إن بلاغ الجمعية يضعنا أمام تساؤلات جوهرية حول آليات اتخاذ القرارات المتعلقة بإتلاف المحجوزات. لماذا يتم اللجوء إلى حلول تبدو بدائية في ظل توفر بدائل أكثر أمانًا وفعالية؟ وأين يغيب التنسيق بين السلطات الأمنية والجهات المعنية بالبيئة عند اتخاذ قرارات ذات تبعات بيئية وصحية خطيرة؟
من الواضح أن هذا التدخل المدني يفتح نقاشًا ضروريًا حول “التدبير البيئي للمحجوزات”، وهي مسألة غالبًا ما يتم تجاهلها أو تهميشها. يجب أن ندرك أن حماية البيئة ليست رفاهية بل ضرورة أساسية لحياة صحية ومستدامة. ولا يمكن أن تكون مكافحة الجريمة على حساب صحة المواطنين وبيئتهم.
في الختام، يبقى الأمل معلقًا على استجابة السلطات لهذه الرسالة القوية والواضحة. فهل سيتم التقاط الإشارة وتغيير طريقة التعامل مع إتلاف المخدرات نحو حلول أكثر مسؤولية بيئيًا؟ أم أن “دخان الحرق” سيستمر في تغطية سماء آسفي، محجبًا الحق في مساءلة بيئية حقيقية؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة، لكن صوت المجتمع المدني قد بدأ يدوي بقوة، مطالبًا بالتوازن بين الأمن والبيئة، وهو توازن لا يمكن تجاهله بعد الآن.
