العدالة الطاقية وهيكلة الطاقة المستدامة .. رؤية الهدف السابع
يشكل التحول الطاقي العالمي أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمع الدولي في القرن الحادي والعشرين. ويتطلب هذا التحول تحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي، حماية البيئة، وضمان وصول الجميع إلى طاقة حديثة ومستدامة وبأسعار ميسورة. في هذا السياق، تبرز “العدالة المجالية” كآلية ضرورية لضمان التوزيع العادل لموارد الطاقة وتحقيق التوازن بين المناطق، لاسيما في الدول النامية.
يشكل الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة حجر الزاوية في هذا التحول، إذ يسعى إلى ضمان حصول الجميع على خدمات طاقية موثوقة وحديثة ومستدامة بحلول عام 2030. ولتحقيق ذلك، يتعين ترسيخ مفهوم العدالة المجالية الطاقية بمختلف أبعاده، سواء من خلال تيسير الوصول إلى الطاقة بأسعار مناسبة، أو عبر ضمان توفر بنية تحتية طاقية حديثة في جميع المناطق، بغض النظر عن موقعها الجغرافي أو وضعها الاقتصادي.
ويعني ذلك توزيعًا متساويًا لموارد الطاقة بين المناطق الجغرافية المختلفة: الحضرية والريفية، المتقدمة والنامية. فغياب العدالة المجالية الطاقية يُفاقم الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، ويعيق تحقيق التنمية المستدامة. على سبيل المثال، لا تزال العديد من دول إفريقيا وآسيا تعاني من عجز حاد في الوصول إلى مصادر الطاقة الحديثة، مما ينعكس سلبًا على قطاعات حيوية مثل الصحة، التعليم، والصناعة.
من هذا المنطلق، تهدف الهيكلة المستدامة للنظام الطاقي العالمي إلى إعادة تصميم كيفية إنتاج الطاقة واستهلاكها، بما يضمن استدامتها للأجيال القادمة. ويرتكز هذا التوجه على تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، وزيادة حصة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة العالمي، مع اعتماد سياسات تسعير عادلة تضع في الحسبان القدرة الشرائية للمواطنين.
إضافة إلى ذلك، تستوجب العدالة المجالية الطاقية إشراك المجتمع المدني والخبراء المحليين في صياغة السياسات الطاقية، بما يضمن توازن المصالح، وعدم احتكار القرارات من قبل الفاعلين الكبار في السوق.
ومن أبرز التوجهات في هذا الإطار، برزت الطاقات المتجددة كالطاقة الشمسية، الريحية، والكهرومائية، إلى جانب تكنولوجيات الطاقة النظيفة التي تساهم في الحد من انبعاثات الكربون. كما تلعب الشبكات الذكية دورًا محوريًا في تحسين كفاءة توزيع الطاقة، من خلال تنظيم التوزيع حسب حاجيات المستخدمين. ويساهم الاعتماد على تقنيات مثل إنترنت الأشياء (IoT) والذكاء الاصطناعي في تحسين التوزيع الطاقي وتحليل أنماط الاستهلاك.
وتُعد كفاءة استخدام الطاقة ركيزة أساسية لتقليل الضغط على الموارد الطبيعية، والحد من الفاقد الطاقي. ومع ذلك، تظل مسألة الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة تحديًا حقيقيًا، خصوصًا في الدول النامية التي تحتاج إلى دعم تقني ومالي لتعزيز بنيتها التحتية الطاقية.
لتحقيق الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة، يجب تبني سياسات وآليات عملية تدعم العدالة المجالية في مجال الطاقة. ويبدأ ذلك بتوسيع شبكات الطاقة في المناطق النائية، وتعزيز الاستثمارات في تقنيات الطاقات المتجددة، خاصة تلك الملائمة للبيئات المحلية. كما يتطلب الأمر تفعيل آليات تعاون دولي عبر برامج تمويل مبتكرة تتيح نقل التكنولوجيا المتقدمة إلى البلدان ذات القدرات المحدودة، لا سيما الدول الجزرية الصغيرة والدول الأقل نموًا.
وفي هذا السياق، يقع على الحكومات دور ريادي في إعداد السياسات الملائمة وتشجيع الابتكار، في حين يُمكن للقطاع الخاص أن يساهم في توفير رأس المال وتنفيذ المشاريع.
ويظل من الضروري أن تُركز السياسات على تطوير حلول محلية للطاقة النظيفة، تراعي الخصوصيات البيئية والاقتصادية لكل منطقة. ومن أبرز النماذج الناشئة في هذا الصدد نجد مشاريع الطاقة المجتمعية، التي تُدار محليًا وتُنتج الطاقة من مصادر متجددة لتلبية حاجيات السكان. هذه المشاريع تُمكّن المجتمعات من تقليص تكاليف الطاقة وتعزز استقلاليتها عن الشبكات الوطنية.
خلاصة:
تشكل العدالة المجالية الطاقية ركيزة مركزية في بناء نظام طاقي عالمي مستدام وشامل. ويتطلب بلوغ هذا الهدف تعاونًا دوليًا متواصلًا، وتطوير حلول مبتكرة تراعي التفاوتات المجالية والاقتصادية. ولتحقيق ذلك، يجب اعتماد استراتيجيات مرنة في التخطيط الطاقي، ترتكز على تمويل مشاريع الطاقة في المناطق المهمشة، وتشجيع الابتكار المحلي، وتوفير الدعم الفني والمالي للدول النامية. فهل نحن مستعدون لإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية بروح من الإنصاف والمسؤولية الجماعية؟
الدكتورة جميلة مرابط
متخصصة في شؤون الاستراتيجيات وسياسات الطاقة والاستدامة البيئية
رئيسة المركز الدولي للطاقة والقانون والاستدامة البيئية
رئيسة مجلس الباحثات المتعدد التخصصات

