بوبوش يفكك أبعاد زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية ومستقبل العلاقات المغربية الإسبانية

0

بوبوش يفكك أبعاد زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية ومستقبل العلاقات المغربية الإسبانية

حاوره محمد الدفيلي – خبر24

تظل قضيتا سبتة ومليلية من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، بالنظر إلى تشابك أبعادهما التاريخية والقانونية والسياسية والأمنية، وارتباطهما بمصالح استراتيجية مشتركة بين البلدين. وقد أعادت زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى المدينتين يومي 13 و14 أكتوبر 2026، على التوالي، النقاش بشأن دلالات التحركات الملكية الإسبانية وانعكاساتها المحتملة على العلاقات الثنائية، خصوصًا في ظل التباين القائم بين الموقف الإسباني من السيادة على المدينتين والمطالب المغربية بشأنهما.

dafmedia annc 970*250

وفي هذا الحوار مع خبر24، يقدم الأستاذ محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، قراءة في الأبعاد السياسية والاستراتيجية للزيارة، ويناقش الوضع القانوني للمدينتين في ضوء القانون الدولي، وحدود الآليات القضائية والدبلوماسية الممكنة، فضلًا عن الخيارات المتاحة أمام المغرب للدفاع عن موقفه السيادي مع المحافظة على المصالح المشتركة مع إسبانيا.

بوبوش يفكك أبعاد زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية ومستقبل العلاقات المغربية الإسبانية

أولا: ما دلالات زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر 2026؟ وهل هي زيارة بروتوكولية أم تحمل رسائل سياسية واستراتيجية؟

أعتقد أن هذه الزيارة لا يمكن اختزالها في بعدها البروتوكولي والاحتفالي، رغم أنها تندرج من الناحية الشكلية ضمن ممارسة المؤسسة الملكية الإسبانية لاختصاصاتها الرمزية والدستورية. فالزيارة، التي جرت يومي 13 و14 أكتوبر 2026، تمثل أول زيارة ملكية إسبانية إلى المدينتين منذ زيارة الملك خوان كارلوس الأول سنة 2007، وهو ما يمنحها دلالة سياسية واضحة، خاصة أنها جاءت في سياق توترات مرتبطة بأزمة الهجرة في صيف 2026، وتجدد النقاش داخل إسبانيا بشأن وضع المدينتين ومستقبلهما.

ويمكن قراءة دلالات الزيارة من خلال أربعة مستويات مترابطة:

. 1تكريس السيادة الإسبانية في الخطاب والممارسة السياسية، فحضور الملك، باعتباره رئيس الدولة ورمزا لوحدتها واستمراريتها، يوجه رسالة مفادها أن مدريد تعتبر سبتة ومليلية جزءا من مجالها الترابي والسياسي، وليستا موضوعا قابلا للتفاوض في التصور الرسمي الإسباني. فالزيارة تؤدي وظيفة تثبيت الانتماء الوطني في الوعي الداخلي، وتعزيز الشعور بالأمن السياسي لدى السكان.

. 2توجيه رسالة إلى المغرب، لا شك أن اختيار هذا التوقيت يحمل أبعادا تتجاوز الاعتبارات الاحتفالية، خصوصا في ظل الخلاف حول السيادة وتداعيات أزمة الهجرة. وتتمثل الرسالة الأساسية في أن إسبانيا لا تنوي التراجع عن موقفها من المدينتين، وأنها ستواصل التعامل معهما بوصفهما جزءا من ترابها الوطني. وقد أظهرت المواقف الرسمية الإسبانية السابقة للزيارة (رئيس الحكومة ووزارة الخارجية والدفاع..) رفض مدريد لأي مقاربة من شأنها التشكيك في سيادتها عليهما.

. 3تعزيز الشرعية الداخلية للملف، فالزيارة تخاطب أيضا الرأي العام الإسباني والقوى السياسية المحلية، لا المغرب وحده. وفي سياق تتداخل فيه قضايا الأمن والهجرة والحدود، يمكن للخطوة الملكية أن تعزز صورة الدولة الحامية لوحدة التراب، وأن تحد من الانتقادات الداخلية التي قد تتهم الحكومة بالتساهل والتراخي في تدبير الملف.

. 4ربط المدينتين بالفضاء الأوروبي فأهمية سبتة ومليلية لا تقتصر في الحسابات الإسبانية على البعد الوطني، بل تتصل أيضا بموقعهما ضمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وبالأبعاد الأمنية والاقتصادية والمؤسساتية لهذا الانتماء. وقد أعلنت الحكومة الإسبانية، في سبتمبر 2026، عن توجهات لتعزيز اندماج المدينتين في الأطر الأوروبية، بما يشمل الحضور المؤسساتي والتعاون الحدودي والجوانب الجمركية.

ونعتقد أنه ينبغي التمييز بين الحمولة السياسية للزيارة وأثرها القانوني. فالزيارة تعزز الموقف الإسباني من الناحية الرمزية والداخلية، لكنها لا تنشئ بذاتها سندا قانونيا جديدا للسيادة، ولا تلغي المطالب الترابية المغربية. فالقانون الدولي لا يحسم النزاعات الإقليمية بمجرد الزيارات الرسمية أو التصريحات السياسية، وإنما يستند إلى مجموعة من العناصر، من بينها المعاهدات ذات الصلة، والسند التاريخي والقانوني، والممارسة الفعلية للسلطة، والقواعد الدولية واجبة التطبيق.

وعليه، فإن الزيارة قد تؤدي إلى زيادة الحساسية السياسية بين البلدين، لكنها لا تعني بالضرورة دخولهما في أزمة دبلوماسية مفتوحة. ويتوقف ذلك على كيفية تدبير الرباط ومدريد لتداعياتها، ومدى قدرتهما على الفصل بين الخلاف السيادي وبين المصالح الاستراتيجية المشتركة.

ثانيا: كيف يمكن تقييم الوضع القانوني لسبتة ومليلية في ضوء القانون الدولي ومبدأي السيادة وسلامة الأراضي؟ وما حدود الآليات القانونية الدولية؟

تقتضي الإجابة عن هذا السؤال التمييز بين ثلاثة مستويات: الوضع القانوني والمؤسساتي القائم، والمطالبات المغربية، والآليات المتاحة لتسوية الخلاف.

أولا، من حيث الوضع القائم، تمارس إسبانيا سيادتها وإدارتها الفعلية على سبتة ومليلية، ومع  دخول نظام الحكم الذاتي حيز التنفيذ في المدينتين عام 1995، ترسخ وضعهما كمدينتين ذاتيّتي الحكم، مندمجتين بالكامل في الاتحاد الأوروبي ولهما تمثيل في مجلس النواب ومجلس الشيوخ في إسبانيا.. وتستند مدريد في موقفها إلى اعتبارات تاريخية وقانونية وإلى استمرارية الإدارة الإسبانية، في حين يعتبر المغرب المدينتين امتدادا لمجاله الترابي، ويرى أن وضعهما يرتبط بإرث تاريخي لم يُسوَّ نهائيا من وجهة نظره.

ثانيا، من منظور القانون الدولي، لا يكفي التمسك بمبدأ السيادة أو سلامة الأراضي، في حد ذاته، لحسم أي نزاع إقليمي. فهذه المبادئ ينبغي قراءتها في ضوء السندات القانونية والتاريخية ذات الصلة، والقواعد المتعلقة باكتساب الإقليم، والاتفاقات الدولية، والممارسة الفعلية للسلطة، ومدى انطباق مبدأ تقرير المصير في الحالة المعنية.

وتكمن الصعوبة في أن المغرب وإسبانيا ينطلقان من تصورات قانونية وتاريخية مختلفة. فالمغرب يؤكد مطالبه السيادية استنادا إلى الروابط التاريخية والجغرافية وإلى تصوره لاستكمال وحدته الترابية، بينما تؤكد إسبانيا أن المدينتين جزء من ترابها الوطني وأنهما لا تخضعان لمسار تصفية الاستعمار.

ومن المهم هنا تسجيل ملاحظة قانونية: سبتة ومليلية غير مدرجتين حاليا ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. وهذا معطى مؤسساتي ينبغي أخذه في الاعتبار، لكنه لا يشكل، بمفرده، حكما قضائيا دوليا نهائيا بشأن جميع الحجج التاريخية والقانونية التي يمكن أن يثيرها أحد الطرفين. كما أن المقارنة بحالات استعمارية أخرى لا تكون سليمة إلا بعد التحقق من اختلاف الوقائع والسندات القانونية في كل حالة.

أما من حيث الآليات القانونية الدولية، فيمكن نظريا تصور عدة مسارات:

  • التفاوض الثنائي: وهو المسار الأكثر واقعية في المرحلة الراهنة، لأنه يسمح للطرفين بمناقشة الخلاف دون افتراض مسبق لنتيجته، مع الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والأمني.
  • التحكيم الدولي: يمكن اللجوء إليه إذا اتفق الطرفان على إحالة النزاع إلى هيئة تحكيم، وحددا موضوع النزاع والقواعد التي ستطبق عليه.
  • محكمة العدل الدولية: يمكن من حيث المبدأ إحالة نزاع إقليمي إليها، لكن اختصاصها في القضايا النزاعية يتطلب أساسا قانونيا لقبول نظرها في النزاع، كرضا الدولتين بالاختصاص وفق القواعد المعمول بها. ولا تستطيع دولة أن تفرض على دولة أخرى التقاضي أمام المحكمة لمجرد رغبتها في ذلك.
  • المساعي الحميدة والوساطة: قد تسهم جهة ثالثة مقبولة من الطرفين في تهيئة الظروف السياسية اللازمة للتفاوض، وإن كان نجاح الوساطة يظل مرتبطا بإرادة الدولتين.

وأرى أن أهم تحدٍّ قانوني لا يتمثل فقط في اختيار الآلية، بل في تحديد موضوع النزاع وصياغة السؤال القانوني الذي يراد حسمه، ثم الاتفاق على أساس الاختصاص وعلى النتائج التي سيترتب عليها القرار أو الحكم.

ولهذا، فإنني لا نعتقد أن الذهاب مباشرة إلى القضاء الدولي هو الخيار الأكثر قابلية للتحقق في الظروف الحالية؛ فذلك يتطلب استعدادا سياسيا وقانونيا من الطرفين، وهو أمر لا يمكن افتراض توافره. وقد يكون من الأنسب البدء بمسار تفاوضي تدريجي، يستند إلى الدراسات التاريخية والقانونية، ويتيح للطرفين اختبار إمكانات التفاهم قبل الانتقال إلى أي صيغة قضائية.

ثالثا: إلى أي حد يمكن أن تؤثر الزيارات الملكية المتكررة في طبيعة النزاع أو في المواقف القانونية والدبلوماسية للطرفين؟ وهل يقتصر أثرها على المستوى الرمزي والسياسي؟

أعتقد أن المقارنة بين زيارة الملك خوان كارلوس الأول سنة 2007 وزيارة الملك فيليبي السادس في أكتوبر 2026 تتيح استخلاص درس مهم، وهو أن الرمزية الملكية في العلاقات المغربية الإسبانية ليست عنصرا ثانويا، بل أداة للتعبير عن التصورات الوطنية للسيادة والهوية والانتماء الترابي.

فزيارة سنة 2007 أثارت أزمة دبلوماسية، إذ استدعى المغرب سفيره لدى إسبانيا للتشاور، احتجاجا على الزيارة التي اعتبرها مساسا بموقفه من السيادة على المدينتين.

أما الزيارة الحالية، فإن دلالتها لا تتوقف عند تكرار السابقة، بل ترتبط أيضا بتغير السياق الاستراتيجي الذي تتحرك فيه العلاقات بين البلدين، وبأهمية سبتة ومليلية في النقاشات الإسبانية المتعلقة بالحدود والهجرة والأمن الأوروبي.

ويمكن التمييز هنا بين ثلاثة أنواع من التأثير:

أولا، التأثير الرمزي والداخلي. تكرار الزيارات الملكية يعزز السردية الوطنية الإسبانية بشأن المدينتين، ويكرس حضورهما في الوعي العام باعتبارهما جزءا من الدولة. وفي المقابل، قد يدفع المغرب إلى تجديد التأكيد على مطالبه السيادية، سواء من خلال التصريحات الرسمية أو القنوات الدبلوماسية.

ثانيا، التأثير الدبلوماسي. يمكن لهذه الزيارات أن تؤدي إلى فتور مؤقت في العلاقات، أو استدعاء السفراء للتشاور، أو تأجيل بعض الاتصالات السياسية. غير أن ذلك ليس نتيجة حتمية؛ فطريقة التعامل مع الزيارة تظل خاضعة للحسابات السياسية لكل طرف، ولرغبته في تجنب انتقال الخلاف إلى ملفات التعاون الأخرى.

ثالثا، التأثير القانوني غير المباشر. هنا ينبغي التحلي بالدقة. فالزيارة الملكية لا تنقل السيادة، ولا تعد في حد ذاتها سندا قانونيا حاسما. لكنها قد تدخل ضمن سياق أوسع من الممارسة الرسمية التي يمكن أن تستحضرها الدول عند عرض مواقفها، مع ضرورة تقييم وزنها في ضوء سائر الأدلة والوقائع والقواعد القانونية ذات الصلة.

ولا ينبغي، في هذا السياق، الخلط بين الزيارات الملكية وبين مفهوم «الأفعال المنشئة للحقوق الإقليمية» في القانون الدولي. فالتصريحات والمراسم الرسمية لا تحسم وحدها مسألة السيادة، كما أن استمرار ممارسة السلطة الفعلية لا يعفي من فحص السند القانوني الذي تستند إليه المطالبات المتعارضة.

ونعتقد أن   أخطر ما يمكن أن تفضي إليه الزيارات المتكررة ليس تغيير الوضع القانوني بصورة آلية، وإنما تحويل الخلاف من قضية قابلة للتدبير الدبلوماسي إلى مسألة مرتبطة بالتنافس على الشرعية الوطنية، بما يجعل التراجع السياسي أكثر كلفة أمام الرأي العام في البلدين.

لذلك، فإن الحكمة الدبلوماسية تقتضي ألا يتحول كل تحرك رمزي إلى أزمة ثنائية، وألا يُفهم ضبط رد الفعل المغربي على أنه تنازل عن المطالب السيادية، مثلما لا ينبغي أن يُفهم تأكيد المغرب على موقفه باعتباره دعوة إلى التصعيد أو تهديد المصالح المشتركة.

رابعا: ما الخيارات الدبلوماسية والقانونية المتاحة أمام المغرب للتعامل مع ملف سبتة ومليلية، مع الحفاظ على المصالح الاستراتيجية المشتركة مع إسبانيا؟

المغرب يحتاج إلى مقاربة متعددة المسارات، تجمع بين الثبات في الموقف السيادي والواقعية في إدارة العلاقات الثنائية. فالمصلحة الوطنية لا تتحقق بمجرد تكرار المطالب، وإنما ببناء سياسة طويلة الأمد تحفظ الحقوق والمصالح، وتمنع في الوقت ذاته إضعاف الشراكة مع إسبانيا.

ويمكن تحديد أهم الخيارات في خمسة مسارات:

  1. تفعيل الحوار السياسي حول الملفات العالقة.

من الضروري أن يظل الحوار المغربي الإسباني مفتوحا، وأن تتوافر قنوات مؤسساتية لمناقشة القضايا الخلافية، بما فيها سبتة ومليلية، حتى إن لم يكن التوصل إلى تسوية نهائية ممكنا في المدى القريب.

ويمكن التفكير في إنشاء آلية للحوار السياسي والقانوني، أو لجنة مشتركة تضم خبراء في القانون الدولي والتاريخ والعلاقات الدولية، مهمتها دراسة الحجج التي يستند إليها الطرفان، وتحديد مجالات التفاهم الممكنة، من دون اشتراط التخلي المسبق عن المواقف السيادية.

وقد برزت في النقاش السياسي المغربي خلال سنة 2026 دعوات إلى إرساء قنوات حوار حول مستقبل المدينتين، في مقابل تمسك إسبانيا برفض المطالب المغربية. وهذا التباين يؤكد الحاجة إلى إطار حوار واضح لا يقتصر على تبادل التصريحات.

. 2تعزيز العمل القانوني والتوثيق التاريخي.

ينبغي مواصلة إعداد دراسات علمية دقيقة حول تاريخ المدينتين، والاتفاقات ذات الصلة، وتطور الممارسة الإدارية والسياسية، والحجج القانونية التي يستند إليها المغرب. كما يتعين دراسة السوابق القضائية الدولية المتعلقة بالنزاعات الإقليمية، مع مراعاة الفروق بين كل حالة وأخرى.

ولا يتعلق الأمر بمجرد إنتاج خطاب سياسي، بل ببناء ملف علمي متكامل، يستند إلى وثائق أصلية وأرشيفات ومعاهدات وخرائط موثقة، ويتيح تقييم نقاط القوة والضعف في مختلف الحجج.

ومن المهم أيضا ألا يُختزل هذا المسار في التحضير لدعوى قضائية محتملة؛ إذ يمكن للبحث القانوني والتاريخي أن يدعم التفاوض، وأن يساعد على تحديد صيغ عملية لتدبير الخلاف حتى في غياب تسوية نهائية.

. 3الفصل بين الخلاف السيادي ومجالات التعاون المشترك.

تجمع المغرب وإسبانيا مصالح متشابكة في التجارة والاستثمار والأمن ومكافحة الشبكات الإجرامية والهجرة والتعاون الإقليمي. ومن غير الحكمة جعل جميع هذه المجالات رهينة لكل تطور مرتبط بسبتة ومليلية.

لكن الفصل بين الملفات لا يعني تجاهل الخلاف، بل يعني إدارته بطريقة تمنع انتقاله إلى بقية العلاقات. ويمكن للمغرب أن يؤكد موقفه السيادي عبر القنوات الرسمية، مع مواصلة التعاون في الملفات التي تحقق منفعة متبادلة وتحافظ على الاستقرار الإقليمي.

. 4توظيف الدبلوماسية الأوروبية والمتعددة الأطراف بحذر.

نظرا إلى ارتباط المدينتين بالإطار الأوروبي، يمكن للمغرب الاستفادة من علاقاته مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء لتوضيح موقفه، وتعزيز فهم أبعاده التاريخية والقانونية، والدفاع عن مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية.

غير أن الاتحاد الأوروبي لا يشكل بديلا عن الحوار المغربي الإسباني، كما أن انتماء المدينتين إلى الإطار الأوروبي لا يحسم تلقائيا جميع جوانب الخلاف الثنائي حول السيادة. لذلك ينبغي أن يكون الهدف من الدبلوماسية المتعددة الأطراف هو توسيع مساحة الحوار، لا افتراض وجود مسار أوروبي قادر وحده على فرض تسوية.

. 5اعتماد سياسة تفاوضية طويلة الأمد.

قد لا يكون الحل النهائي قابلا للتحقق في المدى القريب، لكن ذلك لا يمنع بناء مسار تدريجي يخفف من حدة الخلاف ويمنع تحوله إلى مصدر دائم للتوتر.

ومن الممكن أن يبدأ هذا المسار بتدابير لبناء الثقة، وتبادل الدراسات القانونية والتاريخية، وتطوير آليات الاتصال، ثم الانتقال إلى مناقشة الخيارات المستقبلية عندما تتوافر الظروف السياسية المناسبة.

وفي هذا الإطار، ينبغي تجنب الخطاب التصعيدي غير المحسوب، مثلما ينبغي عدم اعتبار الواقعية الدبلوماسية تخليا عن الحقوق. فالسياسة الخارجية الفعالة هي التي تجمع بين وضوح الأهداف ومرونة الوسائل.

وخلاصة القول أن المغرب ليس مطالبا بالاختيار بين التشبث بموقفه من السيادة والمحافظة على علاقاته الاستراتيجية مع إسبانيا؛ بل إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية الجمع بين الأمرين ضمن استراتيجية متماسكة، تضمن استمرار المطالبة السياسية والقانونية، وتحافظ على المصالح الوطنية في الوقت ذاته.

خامسا: كيف ستؤثر الزيارة في مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية؟ وما الشروط اللازمة لمعالجة الخلاف سلميا؟

أعتقد أن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية سيتحدد بدرجة كبيرة بقدرة البلدين على استيعاب التناقض القائم بين خلاف سيادي تاريخي ومصالح استراتيجية معاصرة. فالعلاقات الدولية لا تقوم دائما على التطابق في المواقف، وإنما يمكن أن تستمر وتتطور حتى في ظل وجود خلافات عميقة، شرط توافر قواعد واضحة لإدارتها.

يمكن في نظرنا تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة:

السيناريو الأول: احتواء الخلاف واستمرار التعاون، وهو السيناريو الأكثر إيجابية، حيث يتعامل الطرفان مع الزيارة باعتبارها تعبيرا عن الموقف الإسباني، من دون تحويلها إلى أزمة مفتوحة. ويستمر التعاون في الاقتصاد والأمن والهجرة، مع احتفاظ كل دولة بموقفها المعلن بشأن السيادة. ويتيح هذا الخيار حماية المصالح المشتركة، وإن لم يؤدِّ إلى تسوية الخلاف.

السيناريو الثاني: إدارة الخلاف من خلال تفاوض تدريجي، وهو السيناريو الأكثر طموحا على المدى المتوسط.

ينجح البلدان في إيجاد آلية سياسية أو قانونية لدراسة القضية، بالتوازي مع تدابير لبناء الثقة وتوسيع مجالات التعاون. ولا يشترط هذا المسار حلا فوريا للسيادة، بل يهدف إلى خلق بيئة تسمح بمناقشة الخلاف بصورة منظمة وسلمية.

السيناريو الثالث: تصاعد التوتر وتداخل الملفات، وهو السيناريو الأكثر كلفة للطرفين.

قد يؤدي استمرار الخطاب المتشدد، أو تكرار الأزمات المرتبطة بالهجرة والحدود، أو توظيف الملف في المنافسة السياسية الداخلية، إلى تراجع الثقة وتوتر العلاقات الدبلوماسية. وقد يمتد أثر ذلك إلى مجالات التعاون الاقتصادي والأمني، بما يضر بمصالح البلدين.

أما الشروط اللازمة لتهيئة الأرضية لمعالجة الخلاف في إطار سلمي، فأبرزها في تقديري أربعة:

أولا: الإرادة السياسية، فلا يمكن لأي آلية قانونية أو دبلوماسية أن تحقق نتائج ملموسة إذا غابت إرادة الطرفين في منع الخلاف من التحول إلى أزمة مستمرة. وتقتضي هذه الإرادة الاعتراف بوجود اختلاف حقيقي في المواقف، حتى إن لم يكن هناك اتفاق على تفسيره أو على مآلاته.

ثانيا: احترام قواعد القانون الدولي، ينبغي أن تظل الوسائل السلمية، والحوار، والتفاوض، والآليات القانونية المتفق عليها هي المرجع في إدارة الخلاف، بعيدا عن أي تهديد أو تصعيد قد يفاقم التوتر. كما يجب ألا يُستعمل التعاون في مجالات أخرى وسيلة لفرض تنازلات غير مرتبطة بها.

ثالثا: ضبط الخطاب السياسي والإعلامي فتحويل القضية إلى أداة للتنافس الداخلي في أي من البلدين قد يرفع الكلفة السياسية للتسوية، ويجعل المرونة الدبلوماسية تبدو ضعفا أمام الرأي العام. ومن ثم، فإن المسؤولية تقتضي تجنب التصريحات الاستفزازية، والتمييز بين التعبير عن المواقف الوطنية وبين التصعيد غير الضروري.

رابعا: بناء الثقة وتطوير التعاون المتبادل، حيث يمكن للتعاون في التنمية الاقتصادية والأمن البحري وحماية الأرواح في مسارات الهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة أن يخلق مناخا أكثر ملاءمة للحوار، حتى إن لم يكن حسم السيادة مطروحا في المرحلة الأولى.

وفي هذا الصدد، فإن زيارة الملك فيليبي السادس ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها نهاية أفق التسوية، بل باعتبارها مؤشرا على استمرار تمسك إسبانيا بموقفها من المدينتين. وفي المقابل، يستطيع المغرب مواصلة الدفاع عن موقفه التاريخي والسيادي، مع تجنب ردود الفعل التي قد تضعف مصالحه الأوسع.

والخلاصة أن العلاقات المغربية الإسبانية أمام اختبار يتعلق بمدى القدرة على إدارة الخلاف من دون إنكار وجوده أو السماح له بابتلاع بقية العلاقة الثنائية. فالتسوية السلمية لا تبدأ بالضرورة باتفاق فوري حول السيادة، وإنما قد تبدأ بإرادة مشتركة لمنع التصعيد، ثم بإرساء حوار مؤسساتي يستند إلى القانون والتاريخ والمصالح المتبادلة. أما التوصل إلى حل نهائي، فيظل رهينا بتطور المواقف السياسية، ومدى استعداد الطرفين لقبول مسار تفاوضي جاد، وبما قد تتيحه الظروف المستقبلية من فرص للتفاهم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.