الخطاب الملكي يضع التنمية الترابية أمام اختبار التنفيذ والنجاعة

0

الخطاب الملكي يضع التنمية الترابية أمام اختبار التنفيذ والنجاعة

قراءة في دلالات الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 2026-2027

محمد الدفيلي

dafmedia annc 970*250

وضع الخطاب الملكي السامي، الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى أعضاء البرلمان يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، التنمية الترابية المندمجة والجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري في صلب رهانات المرحلة المقبلة، مؤكداً أن نجاح السياسات العمومية لم يعد مرتبطاً فقط بإطلاق المشاريع والاستراتيجيات، بل بمدى قدرتها على الاستجابة للحاجيات الفعلية للمواطنين وتحقيق أثر ملموس على المستوى المحلي.

وتبرز أهمية هذا التوجه في تأكيد جلالة الملك أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في العمل الميداني، من خلال الوقوف على المشكلات الحقيقية لكل منطقة والبحث عن حلول واقعية لها. وهي رسالة تعكس الحاجة إلى الانتقال من المقاربات العامة إلى سياسات ترابية تستحضر خصوصيات المجالات المحلية وتفاوتاتها الاقتصادية والاجتماعية.

من برمجة المشاريع إلى تحقيق الأثر

لا يقتصر التحدي التنموي على توفير الاستثمارات وإطلاق المشاريع الكبرى، بل يشمل ضمان توزيع منصف لثمار التنمية بين الجهات والأقاليم والجماعات. فنجاح المشاريع يقاس بمدى مساهمتها في تحسين الخدمات العمومية، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز جاذبية المجالات الترابية، وتقليص الفوارق المجالية.

ومن هذا المنطلق، يكتسي التشخيص الترابي أهمية خاصة، باعتباره مدخلاً لتحديد الأولويات وترتيب الحاجيات وفق معطيات ميدانية، بدل الاكتفاء ببرامج موحدة قد لا تستجيب بالقدر نفسه لخصوصيات مختلف المناطق.

اللاتمركز الإداري.. الحلقة الحاسمة

يحمل تشديد الخطاب الملكي على ضرورة التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري دلالة واضحة بشأن الحاجة إلى معالجة الاختلالات التي تعرقل تنفيذ المشاريع على المستوى الترابي. فنقل الاختصاصات دون توفير الموارد البشرية والمالية اللازمة يحد من فعالية المؤسسات المحلية، كما أن استمرار تمركز القرار قد يطيل آجال معالجة الملفات ويضعف سرعة الاستجابة لحاجيات المواطنين.

ويطرح هذا التوجه ضرورة إعادة تنظيم العلاقة بين الإدارة المركزية والمصالح الخارجية للدولة، بما يسمح باتخاذ القرارات المناسبة في المستوى الترابي، مع تعزيز التنسيق وتحديد المسؤوليات وربطها بالنتائج المحققة.

الجهوية المتقدمة بين الاختصاصات والموارد

ربط الخطاب الملكي التنمية المندمجة بمسار الجهوية المتقدمة، داعياً إلى إزالة العراقيل التي تحد من عمل مؤسسات الجهات، وتوضيح اختصاصاتها، وتعزيز إمكاناتها البشرية والمادية.

وتتجاوز هذه الدعوة الجانب التنظيمي لتطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة الجهات على الانتقال من تدبير الاختصاصات إلى قيادة دينامية تنموية متكاملة، عبر تنسيق تدخلات الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص ومكونات المجتمع المدني.

ويظل التعاقد بين الدولة والجهات، الذي دعا إليه الخطاب الملكي، من الآليات الممكنة لتوضيح الالتزامات وتحديد الأولويات والموارد والآجال، بما يعزز الالتقائية بين البرامج ويحد من تشتت الجهود.

الشباب والاستثمار.. ركيزتان للتنمية

لم يفصل الخطاب بين الإصلاح الترابي والرهانات الاقتصادية والاجتماعية، إذ دعا إلى وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، وتعزيز تكافؤ الفرص في التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي، بالتوازي مع دعوة القطاع الخاص إلى الاضطلاع بدور استراتيجي في الاستثمار وخلق فرص الشغل.

ويعني ذلك أن التنمية الترابية لا يمكن أن تقتصر على البنيات التحتية، بل ينبغي أن ترتبط ببناء اقتصاد محلي قادر على استثمار مؤهلات كل منطقة، وتثمين مواردها، وتشجيع المبادرة والمقاولة، وتوفير فرص حقيقية للشباب، خصوصاً في المجالات التي تواجه محدودية العرض الاقتصادي.

الرحامنة.. من التوجيهات الوطنية إلى الأولويات المحلية

تتيح التوجيهات الملكية المتعلقة بالعمل الميداني والتنمية الترابية فرصة لإعادة التفكير في طرق إعداد البرامج التنموية بإقليم الرحامنة، انطلاقاً من تشخيص دقيق للفوارق بين الجماعات، وتحديد الحاجيات المرتبطة بالتشغيل والخدمات الأساسية والتجهيزات والموارد المحلية.

ويقتضي تحويل هذه التوجيهات إلى نتائج ملموسة تعزيز التنسيق بين مجلس الجهة والمجلس الإقليمي والجماعات الترابية والمصالح الخارجية للدولة، إلى جانب الجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وفق أولويات واضحة ومؤشرات قابلة للتتبع والتقييم.

كما يمكن للمبادرات المحلية أن تضطلع بدور مكمل في رصد الحاجيات، واقتراح الحلول، وتقييم أثر البرامج، شريطة اعتماد مقاربات تشاركية تستند إلى المعطيات الميدانية وتراعي الإمكانات الفعلية لكل مجال ترابي.

الخلاصة: الرهان في التنفيذ

يضع الخطاب الملكي المؤسسات العمومية أمام تحدي الانتقال من إعلان الأهداف إلى تحقيق النتائج، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها، ومن مركزية القرار إلى تعزيز الفعل الترابي.

وتبقى فعالية هذه التوجيهات رهينة بمدى ترجمتها إلى إجراءات عملية، وتحديد المسؤوليات، وتوفير الموارد، وتطوير آليات التنسيق والتقييم والمساءلة. فالتنمية المندمجة لا تتحقق بمجرد اعتمادها شعاراً، بل بقدرة المؤسسات على الاستجابة للمشكلات الفعلية للمواطنين وتحويل الإمكانات المحلية إلى فرص تنموية مستدامة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.