على صدر الزمن كتب الأسود
زكية لعروسي
ليسوا رجالا من لحم ودم
إنهم الصدى حين يسبق الصوت
والنور حين يخلع اسمه ويختار أن يمشي
خرجوا… لا من النفق
خرجوا من الجهة التي ادخر الله فيها الضوء
ليوم يسأل فيه العالم كيف يكون للمعجزة وطن
خرجوا من خاصرة الأطلس
في عيونهم كانت الغابات تتذكر أول شجرة
وفي صدورهم كانت الرايات ترفرف قبل أن تخلق الريح
حيكت من تكبير الأمهات
ومن دعاء البحارة
ومن صبر الصحراء
ومن آخر ياسمينة نجت من احتراق الأندلس
حين لامست أقدامهم الكرة ارتبكت المدارات
وسألت الكواكب من الذي نقل قوانين السماء إلى عشب الأرض؟
العشب لم يعد عشبا
كان سلما أخضر تصعد عليه الملائكة
لتشهد أن الشعر قد يكتب أحيانا بالركض
وكان الهواء يمتلئ بخيول لا يراها إلا العارفون
وشعراء الجن الذين مزقوا قصائدهم
حين أدركوا أن البلاغة قد تركت دفاترها
وسكنت في أقدام الأسود
كل تمريرة كانت نهرا يغسل وجه التاريخ
كل ركضة كانت زلزالا يصيب المستحيل بالدوار
كل هدف كان نافذة يفتحها المغرب في جدار الأبد
حتى الزمن خلع عمره
وجلس ينظر إليهم كما ينظر التلميذ إلى معلمه الأول
الأطلس لم يكن جبلا
كان نبيا من حجر يصلي واقفا كلما مروا
فتنبت من صلاته قمم جديدة
ومن وراء البحار لم يكن مغاربة العالم يرفعون الأعلام
كانوا يحملون المغرب
كما تحمل المجرات شمسها
وكانت قلوبهم أوسع من المحيط
حتى إن الأمواج تعلمت منها معنى الحنين
وفي أعلى المشهد كان الملك
لا يجلس على العرش
بل كان العرش يقف في هيبة ظله
وكان الوطن كلما نظر إليه ازداد اتساعا
حتى ظنت الجهات أن الرباط ليست مدينة…
بل اسم آخر للأفق
ثم اندفعوا
لا ليهزموا خصما
بل ليقنعوا الكون أن المستحيل ليس إلا كلمة لم تزأر بعد
فيا معشر الإنس…
ويا معشر الجن…
لو جمعتم كل لغات الأرض
وكل نار السماء
وكل دواوين العرب
لما كتبتم السطر الواحد الذي كتبته أقدام الأسود
على صدر الزمن
لأن المغرب إذا نهض لا يوقظ شعبا
إنما يوقظ الأسطورة التي كانت نائمة في قلب الخليقة
ولأن الأسود لا يسجلون أهدافا
إنهم يعلمون الضوء كيف يزأر
