محمد الدفيلي ـ ملف خاص
تخوض المملكة المغربية اليوم سباقاً محموماً نحو المستقبل، مراهنةً على الانتقال البيئي والطاقي كخيار استراتيجي لا محيد عنه. غير أن هذا التحول المتسارع لم يعد مجرد معادلة تقنية تحسب بالكيلوواط ومعدلات خفض الانبعاثات، بل أضحى يفتح نقاشاً هوياتياً ومجتمعياً عميقاً حول شكل ومدى أصالة المدن المغربية المستقبيلية.
بين مطرقة المعايير الدولية للاستدامة الوافدة من وراء البحار، وسندان الخصوصية التاريخية والمعمارية المحلية، يبرز سؤال مركزي ومقلق: هل يمكن للمدينة الخضراء أن تكون امتداداً حياً للهوية المغربية، أم أنها تتجه لتشكل قطيعة بصرية واجتماعية معها؟
هذا الإشكال البنيوي كان محور دراسة أكاديمية رصينة نشرتها مجلة ICONARP الدولية للهندسة المعمارية والتخطيط، تحت عنوان دال: “أثر الانتقال نحو الاستدامة على هوية المدن المغربية: حالة بنكرير”، للباحثتين نسيبة رحّاري ود. هاتيس غونسيل دميركول (2023) من جامعة “إسكيشهر” التقنية. دراسة تضع تجربة مدينة بنكرير فوق مشرحة النقد السوسيولوجي والمعماري.
من كفاءة الطاقة إلى صدمة الهوية
تنطلق الدراسة من أرقام مقلقة؛ فالحاضرة المغربية تستهلك الكثير، وقطاع البناء وحده يستأثر بنحو 33% من الاستهلاك الطاقي الوطني، مما يجعله مسؤولاً رئيساً عن الانبعاثات الدفيئة. هذا الواقع فرض على الدولة ابتكار نموذج “المدينة الخضراء” كطوق نجاة بيئي.
لكن الباحثتين تنبهان إلى أمر غاية في الأهمية: الاستدامة لم تعد مجرد “أنابيب طاقة ومساحات خضراء”، بل تحولت إلى مشروع حضري شامل يعيد هندسة المجتمع، ويغير البنية الاجتماعية والرموز الثقافية للمجال.
وعبر العودة لتاريخ العمارة المغربية، تفكك الدراسة هذا المسار من خلال ثلاث محطات:
-
المرحلة التقليدية: حيث المدن الطينية العضوية، والفناء الداخلي، والانسجام التام مع المناخ والعلاقات الإنسانية الدافئة.
-
المرحلة الاستعمارية: التي أدخلت الخرسانة المسلحة والتخطيط الشبكي الصارم.
-
مرحلة ما بعد الاستقلال: التي تميزت بالتوسع الإسمنتي العشوائي السريع وتراجع الخصوصية.
وتخلص الباحثتان إلى أن الهوية الحضرية المغربية ليست قالباً جامداً، بل هي “طبقات تاريخية متراكمة” يتداخل فيها الماضي بالحاضر.

بنكرير: مدينة وُلدت بـ “سرعات ثلاث”
تعتبر بنكرير حالة دراسية فريدة؛ فهي لم تولد كمدينة تاريخية تقليدية (كفاس أو مراكش)، بل نبتت في الأصل حول النشاط المنجمي للفوسفاط، قبل أن تشهد تحولاً جذرياً عام 2012 بميلاد مشروع “المدينة الخضراء محمد السادس” برعاية من مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP).
المشروع يجمع بين طياته قطباً جامعياً وعلمياً دولياً (جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية UM6P)، وأحياء سكنية بيئية تعتمد البناء المستدام والتكنولوجيا الحديثة. ومع ذلك، يكشف الميدان عن واقع مغاير؛ فبنكرير اليوم تعيش بـ ثلاث سرعات عمرانية متباينة:
-
النسيج القديم: يمثل الذاكرة المنجمية البسيطة، يعاني نقصاً تنموياً لكنه ينبض بروابط اجتماعية قوية.
-
المدينة الخضراء الجديدة: فضاء نخبوي، علمي، متطور للغاية، ومحكوم بالمعايير البيئية الدولية.
-
الأحياء الهامشية: امتدادات عشوائية فرضها الضغط الديمغرافي والعقاري حول المدينة.
“الأخضر المستورد” وخطر الانقسام المجالي
هنا تضع الدراسة إصبعها على الجرح، صائغةً مفهوماً نقدياً حاداً هو “الانقسام السوسيو-مجالي”. فالمدينة الخضراء باتت تبدو كـ “جزيرة تكنولوجية معزولة” تعيش فيها نخب علمية ومهندسون، في مقابل نسيج قديم ومحيط هامشي يشعر سكانه الأصليون بأنهم خارج قطار هذه التنمية البراقة. هذا التباين يضرب في الصميم الركيزة الثالثة للاستدامة العالمية: العدالة الاجتماعية والمجالية.
الخوف الأكبر، بحسب الورقة الأكاديمية، يكمن في سياق “الأخضر المستورد”. إن استيراد نماذج استدامة جاهزة بشكل “علب زجاجية أو حديدية” دون تكييفها مع الروح المغربية، يهدد بإنتاج عمارة معولمة وموحدة تجعل بنكرير شبيهة بأي مدينة ذكية في كوريا أو كاليفورنيا، لكنها منزوعة الروح وفاقدة لذاكرتها المحلية وعمقها الإنساني. فالأبنية ليست مجرد جدران عازلة للحرارة، بل هي مستودع للذاكرة الجماعية ورمز للانتماء.
تجربة ملهمة.. في انتظار أنسنة التكنولوجيا
في محصلة المشهد، تقدم بنكرير مفارقة مغربية بامتياز: فهي من جهة، تمثل قمة الطموح والابتكار البيئي في القارة الإفريقية، ومن جهة أخرى، تدق ناقوس الخطر حول حدود هذا النموذج الحداثي إذا ما تُرِك المعمار وحيداً دون حماية للبعد الاجتماعي والهوياتي.
الرسالة الواضحة التي يبعث بها هذا الملف الخاص، ومن خلفه البحث الأكاديمي الرصين، هي أن الاستدامة الحقيقية لا يمكن اختزالها في الألواح الشمسية أو النجاعة الطاقية للمباني؛ بل إن استدامة الهوية، وصون الذاكرة المحلية، وتحقيق العدالة بين ابن المدينة القديمة والوافد الجديد على المدينة الخضراء، هي المحكات الحقيقية لنجاح المغرب في كسب رهان المستقبل دون أن يفقد نفسه.
المصدر الأكاديمي
- العنوان: Impact of Sustainability Transition in Moroccan Cities’ Identity: The Case of Benguerir
- المؤلفان: Noussaiba Rharbi & Hatice G. Demirkol
- المجلة: ICONARP International Journal of Architecture and Planning
- السنة: 2023
- المجلد: 11 (1)
- الصفحات: 88–106
- DOI: https://doi.org/10.15320/ICONARP.2023.234
