ابن جرير تراهن على قلب حضري جديد.. 55,487 م² من التجهيزات في السيناريو الطموح
خبر24 – محمد الدفيلي
تكشف دراسة إستراتيجية التجديد الحضري لوسط مدينة ابن جرير، في مرحلتها الثانية، عن صورة مركبة لواحد من أهم المجالات المركزية بالمدينة، حيث تتجاور مؤشرات ضعف الاستغلال السكني والتجاري مع إمكانات عقارية وموقعية كبيرة، في وقت تقترح فيه الدراسة الانتقال من مجرد تأهيل النسيج القائم إلى إعادة تشكيل وظيفة وسط المدينة باعتباره مركزاً حضرياً متعدد الوظائف.

وتغطي الدراسة مجالاً يقارب 38.7 هكتاراً، وتتناول مختلف مكونات وسط المدينة، من السكن والاقتصاد والعقار والطرق والفضاءات العمومية إلى التجهيزات والبيئة، قبل تقديم سيناريوهين للتدخل: الأول تدريجي ومحافظ، والثاني أكثر طموحاً وابتكاراً.
34% من المساكن شاغرة
وتبرز المعطيات المتعلقة بالسكن إحدى أبرز المفارقات التي سجلها التشخيص، إذ يبلغ عدد المساكن في المجال المدروس 1,027 مسكناً، بينما تصل نسبة المساكن الشاغرة إلى حوالي 34%.
وتشير الدراسة إلى أن أكثر من نصف الأسر المقيمة بالحي استقرت به بعد سنة 2010، بما يعكس تحولات عمرانية وديموغرافية حديثة نسبياً، مقابل استمرار وجود جزء مهم من الرصيد السكني خارج الاستغلال.
وتتوقع الدراسة أن يصل عدد سكان وسط المدينة إلى حوالي 3,645 نسمة في أفق سنة 2035.
وبحسب معطيات التشخيص الواردة في الدراسة، فإن المجال يضم كذلك حوالي 670 أسرة و2,827 نسمة ضمن المعطيات السوسيوديموغرافية المعتمدة في مرحلة التشخيص، ما يعكس تطوراً في الإسقاطات السكانية المعتمدة ضمن التصور المستقبلي.
192 محلاً تجارياً.. والنشيط منها 6 فقط
أما على المستوى الاقتصادي، فقد أحصت الدراسة 170 وحدة اقتصادية، من بينها 78 وحدة تجارية و92 وحدة للخدمات، توفر في مجموعها حوالي 346 منصب شغل.
لكن المفارقة الأكبر تظهر داخل المركز التجاري الموجود بالحي، والذي يضم 192 محلاً، في حين لم تتجاوز الوحدات النشيطة داخله 6 وحدات وقت إنجاز التشخيص.
وتظل التجارة المحلية موجهة أساساً نحو تلبية الحاجيات اليومية، إذ تمثل الأنشطة المرتبطة بالمواد الغذائية حوالي 59% من الوحدات التجارية، مقابل حضور محدود للأنشطة ذات القيمة المضافة.
وتضع هذه الأرقام وظيفة المركز التجاري أمام تحد واضح: كيف يمكن إعادة تنشيط رصيد تجاري قائم بدل ترك مئات المحلات خارج الدورة الاقتصادية؟
السوق الأسبوعي القديم.. وعاء عقاري ينتظر وظيفة جديدة
وتولي الدراسة أهمية خاصة لموقع السوق الأسبوعي القديم، الذي أصبح يعرف استغلالاً ضعيفاً، إلى جانب مظاهر مرتبطة بالأنشطة غير المهيكلة وتراكم النفايات.
غير أن موقعه المركزي وقيمته التاريخية وارتباطه بالذاكرة التجارية لابن جرير تجعل منه، بحسب الدراسة، فرصة استراتيجية لإعادة بناء مركزية حضرية جديدة.
وفي السيناريو التطويري، يتحول هذا المجال من فراغ عقاري ضعيف الاستغلال إلى جزء من منظومة حضرية متعددة الوظائف، تجمع التجارة والخدمات والسكن والتجهيزات والثقافة والفضاءات العمومية.
شبكة طرق مجزأة ومساحات خضراء دون المستوى المطلوب
في مجال التنقل، يسجل التشخيص أن شبكة الطرق الداخلية لوسط المدينة مجزأة وغير هرمية وغير منتظمة، فيما تتراوح عروض عدد من الطرق بين 5 و9 أمتار أو تقل عن ذلك.
في المقابل، تظل الطريق الوطنية رقم 9 محوراً استراتيجياً للحركة والولوج والتجارة، بما يجعل تحسين العلاقة بين الشبكة الداخلية والمحاور الرئيسية أحد عناصر إعادة تنظيم المركز الحضري.
بيئياً، تسجل الدراسة نقصاً هيكلياً في المساحات الخضراء، مع تشجير متقطع وضعف في الظل وغياب شبكة خضراء مهيكلة.
وبناء على ساكنة متوقعة تبلغ 3,645 نسمة سنة 2035، تحدد الدراسة الحاجة إلى حوالي 3.65 هكتار كحد أدنى من المساحات الخضراء، و5.47 هكتار كمستوى متوسط، وصولاً إلى 9.11 هكتار كمستوى أمثل، مع احتساب حديقة حضرية محاذية للحي تبلغ مساحتها حوالي 2.4 هكتار.
نصف التجهيزات المبرمجة فقط تم إنجازها
وتكشف الدراسة أيضاً عن فجوة بين ما تمت برمجته وما تم إنجازه فعلياً، إذ تم إنجاز 4 تجهيزات فقط من أصل 8، أي بنسبة 50%.
وتشمل التجهيزات غير المنجزة، وفق المعطيات الواردة في الدراسة، فضاءات خضراء وتجهيزات اجتماعية وثقافية، إضافة إلى جزء من مواقف السيارات.
وتطرح هذه الوضعية سؤالاً حول قدرة التخطيط الحضري على الانتقال من مرحلة البرمجة إلى مرحلة الإنجاز، خصوصاً في مجال مركزي يفترض أن يؤدي وظائف تتجاوز حدود الحي نحو المدينة بأكملها.
سيناريوهان.. بين تأهيل الوسط وإعادة اختراع المركز
لا تكتفي الدراسة بتشخيص الوضع، بل تقترح مسارين مختلفين جذرياً في فلسفة التدخل.

السيناريو الأول.. ترقية تدريجية ومحافظة
يقوم السيناريو الأول على مقاربة معيارية ومحافظة، تلتزم بالحدود الدنيا والنسب المرجعية الوطنية المتعلقة بالتجهيزات العمومية.
ويستهدف هذا الخيار سد العجز الأساسي في فضاءات القرب وتحسين الشبكات والطرق والفضاءات العمومية والتشجير وتجهيزات القرب، مع الحفاظ بدرجة كبيرة على النسيج العمراني الحالي وعدم إحداث تغييرات جذرية في مورفولوجية الحي.
ويتضمن هذا السيناريو تجهيزات من قبيل مقر جديد للجماعة، ومركز ثقافي، ومعهد للموسيقى، ومركز للتأهيل المهني، ومركز صحي، وملاعب رياضية للقرب، ومواقف للسيارات، ومناطق للمعارض التجارية والأنشطة الحرفية وحاضنة للمقاولات الناشئة.
السيناريو الثاني.. من تأهيل الوسط إلى صناعة مركز حضري جديد
أما السيناريو الثاني، فيتبنى مقاربة تطويرية ومبتكرة، تقوم على إحداث تحول نوعي في وظيفة وسط ابن جرير، مستفيداً من الوعاء العقاري المتاح والموقع المركزي للمنطقة.
وتصل المساحة الإجمالية للتجهيزات المبرمجة ضمن هذا التصور، وفق المعطيات المقدمة في الدراسة، إلى حوالي 55,487 متراً مربعاً، تشمل تجهيزات جديدة وتأهيل عدد من المنشآت القائمة.
ويضع هذا السيناريو المعرفة والابتكار والثقافة في قلب المركز الجديد، من خلال مشاريع من بينها:
- مركز المعرفة والابتكار بمساحة 3,486 م².
- قطب الفنون والثقافات الرقمية بمساحة 3,218 م².
- مختبر تصنيع تشاركي Fablab بمساحة 2,255 م².
- منصة رقمية مشتركة Digital Hub بمساحة 2,134 م².
- مجمع للسينما والثقافة Multiplexe بمساحة 3,127 م².
ويذهب التصور أيضاً إلى إعادة بناء الوظيفة الاقتصادية لوسط المدينة، من خلال برمجة مساحة تجارية كبرى بمساحة 4,131 م²، ودار للتراث الطهوي والصناعة التقليدية بمساحة 3,117 م²، إلى جانب حاضنة أعمال مندمجة في الـDigital Hub.
المرأة والاقتصاد الاجتماعي ضمن التصور الجديد
ولا يغيب البعد الاجتماعي عن السيناريو الثاني، الذي يقترح مركزاً صحياً جديداً بمساحة 1,722 م²، إلى جانب دار للنساء والتمكين السوسيو-اقتصادي وريادة الأعمال بمساحة 741 م².
وتعكس هذه البرمجة توجهاً نحو ربط التجديد الحضري بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بدل حصره في إصلاح الطرق والواجهات والبنية التحتية.
الرياضة والفضاءات الخضراء.. مركز حضري أكثر قابلية للعيش
وفي الجانب الرياضي والترفيهي، يقترح السيناريو الثاني ملعباً رياضياً للقرب بمساحة 3,925 م²، وحديقة تزلج Skate Park بمساحة 1,691 م²، إلى جانب إعادة تأهيل وتحديث ملاعب إعدادية الفارابي وفتحها أمام سكان الحي.
أما على المستوى البيئي، فتقترح الدراسة إنشاء ممر بيئي أخضر وأزرق، إلى جانب ساحة ربط واسعة Parvis تشكل مجالاً للترفيه واللقاء، بما يساعد على بناء شبكة من الفضاءات العمومية والخضراء داخل المركز.
محطة القطار.. بوابة حضرية جديدة لابن جرير
وتحتل محطة القطار ومحيطها موقعاً مركزياً في الرؤية المستقبلية.
فبدلاً من التعامل معها باعتبارها مجرد نقطة للولوج إلى شبكة السكك الحديدية، تقترح الدراسة تحويل محيطها إلى بوابة حضرية جديدة لابن جرير، من خلال خلق قطب متعدد الوظائف يضم السكن والتجارة والخدمات والفندقة والتجهيزات والفضاءات العمومية.
ويقترح السيناريو الثاني كذلك قطب نقل ومحطة تبادل متعددة الوسائط Hub de mobilité بمساحة 2,471 م²، مع مواقف سيارات خضراء ومواقف تحت أرضية.
كما يقترح إعادة توظيف المحطة القديمة وتثمينها تراثياً، بمساحة تقدر بـ847 م²، بما يسمح بالحفاظ على جانب من الذاكرة التاريخية للمكان وربطه بالوظائف الثقافية والسياحية.
92 بناية قد تدخل في إعادة التشكيل
ولا يقف التحول المقترح عند حدود التجهيزات الجديدة، إذ تشير الدراسة إلى إمكانية إعادة تشكيل 92 بناية من أصل 711 ضمن السيناريو الثاني، أي حوالي 12.9% من مجموع البنايات المشمولة بالتصور.
ويعني ذلك أن السيناريو التطويري لا يقتصر على إضافة تجهيزات إلى النسيج الحالي، وإنما يمكن أن يؤدي إلى إعادة صياغة أجزاء منه، بما يطرح بدوره أسئلة مرتبطة بالعقار والتمويل وإعادة الإسكان والآثار الاجتماعية لأي تدخل مستقبلي.
وسط ابن جرير أمام خيارين
في المحصلة، تكشف الدراسة عن اختلاف جوهري بين السيناريوهين.
فالسيناريو الأول يريد تحسين وسط ابن جرير كما هو، من خلال سد العجز في التجهيزات وتأهيل الشبكات والفضاءات العمومية.
أما السيناريو الثاني فيتجه إلى إعادة اختراع وظيفة وسط المدينة، بتحويله إلى مركز يجمع المعرفة والابتكار والثقافة والتجارة والرياضة والخدمات والتراث والتنقل والفضاءات الخضراء.
وتستند هذه الرؤية إلى الموقع المركزي لوسط المدينة، وإلى التحولات التي تعرفها ابن جرير مع تطور المدينة الخضراء محمد السادس وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، بما يفتح إمكانية خلق تكامل بين المركز التاريخي والديناميات الجديدة للمدينة.
من الدراسة إلى التنفيذ.. السؤال الأصعب
ورغم الطموح الكبير الذي يحمله السيناريو الثاني، فإن هذه المشاريع تظل، بحسب طبيعة الوثيقة، مقترحات وبرمجة ضمن دراسة التجديد الحضري، ولا تعني في حد ذاتها انطلاق الأشغال أو اعتماد هذا السيناريو بشكل نهائي.
كما أن الانتقال من التصور إلى التنفيذ يظل مرتبطاً بالتمويل، وتحديد الأولويات، والوعاء العقاري، والإجراءات القانونية والمؤسساتية، والقدرة على تعبئة مختلف الشركاء.
والأهم أن أي إعادة تشكيل لوسط المدينة، خصوصاً إذا مست أجزاء من النسيج المبني أو العقار والسكن، ستحتاج إلى مقاربة تشاركية تضع سكان المنطقة والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين في قلب النقاش.
وهكذا، لا تضع دراسة التجديد الحضري لوسط ابن جرير مجرد تصور لتأهيل حي قائم، بل تطرح سؤالاً أكبر حول مستقبل مركز المدينة نفسه: هل تكتفي ابن جرير بترميم وسطها الحالي، أم تتجه إلى بناء «قلب حضري» جديد قادر على مواكبة التحولات التي تعرفها المدينة؟
ويبقى التحدي الحقيقي ليس في رسم السيناريو الأكثر طموحاً، وإنما في تحويل الرؤية إلى مشاريع قابلة للإنجاز، بتمويل واضح وآجال محددة، وبمشاركة فعلية لسكان وسط ابن جرير في صناعة مستقبل مجالهم الحضري.