بدعم من رئاسة جامعة محمد الأول… وجدة تحتضن مؤتمراً دولياً للحفريات
خبر24: د. زكية لعروسي
ليست الحفريات مجرد عودة إلى الماضي، بل هي رحلة في عمق الهوية الإنسانية. فالأرض لا تحفظ ذاكرتها في الكتب فقط، بل في طبقاتها المتراكمة عبر الزمن؛ طبقات من الصمت والضغط والتاريخ، تختزن آثار حياة امتدت لملايين السنين. وكلما اقترب العلماء من حجر قديم أو أثر متحجر، فإنهم يقتربون في الحقيقة خطوة جديدة من السؤال الأزلي للإنسان: من نحن، ومن أين بدأت هذه الحكاية الطويلة التي اسمها الحياة؟
في هذا السياق، تستعد جامعة محمد الأول بوجدة يومي 27 و28 مارس 2026 لاحتضان المؤتمر الدولي الثاني للحفريات، وهو حدث علمي يتجاوز كونه مجرد لقاء أكاديمي عابر، ليشكل لحظة معرفية تفتح خلالها الأرض دفاترها القديمة أمام العلماء والباحثين. وخلال هذين اليومين، سيغدو الشرق المغربي فضاءً للحوار العلمي حول الزمن الجيولوجي العميق، حيث تتقاطع تخصصات متعددة من الجيولوجيا والأركيولوجيا إلى الدراسات اللغوية والتاريخية، في محاولة لفهم ما تخبئه الأرض تحت أقدامنا، وما تخبئه الذاكرة الإنسانية في أعماقها.
فالمدن، مثل الأرض، لا تتحدث من تلقاء نفسها؛ إنها تحتاج إلى من يؤمن بقيمة المعرفة ويهيئ لها الظروف لتزدهر. وهنا يبرز دور الدكتور ياسين زغلول، رئيس جامعة محمد الأول، الذي ينظر إلى الجامعة بوصفها فضاءً حياً للأفكار وليس مجرد مؤسسة إدارية. ففي ظل هذه الرؤية، يصبح دعم المبادرات العلمية جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى تعزيز البحث العلمي والانفتاح على القضايا المعرفية الكبرى.
ولم يكن احتضان هذا المؤتمر العلمي مجرد قرار إداري، بل جاء في إطار رؤية تؤمن بأن البحث العلمي قادر على تحويل المكان إلى مختبر حي للمعرفة. وهكذا ستفتح الجامعة أبوابها لعلماء وباحثين من المغرب ومن جامعات دولية، حاملين معهم أسئلة جديدة وقراءات متعددة لتاريخ الأرض وتطورها.
وقد ولدت فكرة تنظيم هذا المؤتمر في سياق علمي بحثي، بمبادرة من الباحثة نزهة بودهو، التي ارتبط مسارها الأكاديمي بدراسة طبقات الأرض وتاريخها الجيولوجي. غير أن الأفكار العلمية، مهما بلغت أهميتها، تحتاج دائماً إلى مؤسسات تحتضنها وتوفر لها البيئة المناسبة للنمو. ومن هنا يبرز الدور المحوري للجامعة ورئاستها في تحويل مبادرة بحثية إلى حدث علمي دولي يضع الشرق المغربي ضمن خريطة النقاش العلمي العالمي.
ومن المرتقب أن تتناول الأبحاث المقدمة خلال المؤتمر عدداً من المواضيع المرتبطة بتاريخ الأرض في مناطق متعددة من المغرب، من بينها وجدة وممر تازة وسهل جرسيف، وهي مجالات جغرافية تحمل في باطنها شواهد جيولوجية وأحفورية قد تسهم في إعادة قراءة تاريخ المنطقة. وهنا لا يقف علم الحفريات عند حدود الوصف العلمي، بل يتجاوز ذلك ليطرح سؤالاً أعمق: هل يمكن للبحث العلمي أن يعيد الاعتبار للمكان؟ وهل يستطيع العلم أن ينصف الجغرافيا التي ظلت طويلاً خارج الاهتمام العلمي؟
في هذا السياق، يصبح علم الحفريات أكثر من مجرد تخصص علمي؛ إنه شكل من أشكال العدالة الرمزية التي تعيد للتراب صوته، وللحجر حكايته، وللمكان مكانته في التاريخ.
وجدة، المدينة التي عرفت عبر تاريخها موقعاً حدودياً وثقافياً خاصاً، تبدو اليوم وكأنها تفتح صفحات جديدة من علاقتها بالعلم والمعرفة. فالأرض التي ظلت صامتة لقرون تخبئ في أعماقها سرديات أقدم من كل الخرائط السياسية ومن كل ثنائيات المركز والهامش. ولهذا، فإن المؤتمر المرتقب لن يكون مجرد تجمع علمي، بل لحظة يلتقي فيها الماضي السحيق بأسئلة المستقبل.
وخلال يومي المؤتمر، ستشهد المدينة حضور باحثين وعلماء من جامعات مختلفة، حاملين معهم خرائط جيولوجية ونماذج لأحافير تحكي قصص عصور بعيدة. وستتحول وجدة، في تلك اللحظة العلمية، إلى فضاء للنقاش المعرفي حول علاقة الإنسان بالأرض وتاريخها.
غير أن الأثر الحقيقي لمثل هذه اللقاءات العلمية لا يقف عند حدود النقاش الأكاديمي، بل يمتد إلى تحفيز الأجيال الجديدة من الطلبة والباحثين. فحين تؤمن مؤسسة جامعية بقيمة البحث العلمي، وتفتح أبوابها للمبادرات العلمية، فإنها لا تنتج المعرفة فقط، بل تزرع أيضاً بذور الأمل في عقول الباحثين الشباب الذين سيحملون مشعل السؤال في المستقبل.
لهذا، فإن ما سيحدث في وجدة ليس مجرد مؤتمر علمي، بل رسالة هادئة مفادها أن المدن التي تحتضن العلماء وتدعم البحث يمكن أن تعيد صياغة مكانتها المعرفية. وأن الجامعة التي تؤمن بالعلم تتحول من مؤسسة تعليمية تقليدية إلى منارة للفكر والإبداع.
وفي ربيع هذا العام، ستقول وجدة للعالم شيئاً بسيطاً لكنه عميق: إن الأرض، حين تجد من يصغي إليها، تتحول إلى كتاب مفتوح، وإن المدن، حين تجد من يؤمن بالعلم، تتحول إلى أفق جديد للمعرفة.
