من المجتمع إلى الأفق الدولي .. حين تصير الدبلوماسية فعلاً ثقافيًا وتمارس السيادة بلغة الفكر
خبر24: زكية العروسي
في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، حيث تتشابك التحولات الجيوسياسية وتتعقد خرائط المصالح والنفوذ، لم تعد الدبلوماسية حكرًا على الدولة بوصفها الفاعل الوحيد في العلاقات الدولية، ولا مجالًا مغلقًا تحتكره المؤسسات الرسمية. لقد أضحت اليوم فضاءً مركبًا، تتقاطع فيه المبادرات، وتتكامل داخله الأدوار، وتنبثق منه طاقات المجتمع الحي بما يحمله من معرفة ورمزية وقدرة على التأثير.
في هذا السياق، تبرز الدبلوماسية الموازية باعتبارها شكلاً حديثًا من أشكال الفعل الدولي، يستند إلى الشرعية الثقافية والعمق الإنساني، ويعيد وصل السياسة بالأخلاق، على نحو يذكّر برؤية إيمانويل كانط، الذي ربط السلام الدائم لا بالمعاهدات وحدها، بل بوعي كوني قوامه العقل العمومي والمسؤولية الأخلاقية.
ضمن هذا الأفق الفكري والوطني، ووعيًا بتحديات اللحظة الدولية، نشأ الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية كإطار قانوني ومؤسساتي جامع، يعكس انتقال الفكرة من حيز التصور إلى مجال البناء العملي. فهو ليس مبادرة ظرفية ولا رد فعل آنيًا، بل مشروع وطني مدروس، يطمح إلى الإسهام الجاد والمسؤول في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة المغربية، وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي عبر أدوات القوة الناعمة، التي باتت اليوم ركيزة أساسية في ميزان النفوذ العالمي، وعلى رأسها المعرفة، والثقافة، والحوار، وفن الترافع الذكي.
ويجسّد هذا الاتحاد تحوّلًا نوعيًا في فهم العمل الدبلوماسي، إذ لا يُنظر إليه كفعل تقني محض، بل كخطاب عقلاني يُمارَس في الفضاء العمومي، ويستمد فعاليته من قدرته على الإقناع والتأثير، لا من منطق الفرض أو الإكراه. وهو تصور ينسجم مع أطروحات يورغن هابرماس، الذي يرى أن القوة السياسية الحقيقية تنبع من شرعية الخطاب العقلاني، ومن التفاعل التواصلي القادر على إنتاج توافقات مستدامة.
وعليه، لا يمكن اختزال الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية في كونه جمعية مدنية إضافية ضمن مشهد جمعوي متنوع. إنه في جوهره مشروع دبلوماسي وثقافي واستراتيجي، واعٍ بتحولات العلاقات الدولية وبمنطق القوة الناعمة، ومدرك أن معركة الصورة، والدفاع عن القضايا العادلة، وصيانة المصالح الوطنية، لم تعد تُحسم فقط في غرف القرار، بل أيضًا في الجامعات، ومراكز التفكير، والمنصات الثقافية، وفضاءات الرأي العام العالمي. وهو ما يلتقي مع رؤية أنطونيو غرامشي، الذي اعتبر أن الهيمنة لا تتحقق بالقوة الصلبة وحدها، بل بقدرة الفاعل على إنتاج سردية للعالم تحظى بالقبول والشرعية.
ومن هذا المنطلق، يأتي الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية استجابةً لحاجة موضوعية، تتمثل في إرساء جبهة دبلوماسية مدنية، مرنة في آليات اشتغالها، رصينة في كفاءاتها، ومتكاملة مع الدبلوماسية الرسمية، في احترام تام للثوابت الوطنية والاختيارات السيادية للدولة. وهي مقاربة تعيد إلى الأذهان فكر ابن خلدون، الذي شدد على أن استمرارية الدول لا تقوم على القهر وحده، بل على التماسك الرمزي، وشرعية المعنى، وقوة الرابط المشترك بين الدولة والمجتمع.

وتستمد هذه المبادرة مصداقيتها أيضًا من الشخصيات القيادية التي تقودها، بما راكمته من تجربة ونزاهة ورؤية بعيدة المدى. فبرئاسة السيد عيسى بابانا العلوي، تتجسد قيادة وطنية تؤمن بأن الفعل الدبلوماسي الحقيقي مسارٌ طويل النفس، يقوم على الثقة، والاستمرارية، والبناء الهادئ للمبادرات. وإلى جانبه، تمثل السيدة ماجدة كريمي نموذجًا للنخبة النسائية المغربية المستنيرة، القادرة على الربط الخلاق بين الثقافة والدبلوماسية، وإدراك أن الثقافة أداة مركزية للتأثير في عالم تُصاغ قراراته غالبًا داخل فضاءات البحث والمعرفة قبل أن تصل إلى دوائر السلطة.
ويراهن الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية على دبلوماسية ثقافية عالية المستوى، تحملها كفاءات متعددة المشارب، من التاريخ والقانون، إلى الأدب والعلوم الإنسانية والعلوم الدقيقة. وهي دبلوماسية لا تناقض الدبلوماسية الصلبة، بل تسندها وتعززها، كما يوازن الظل الجسد تحت وهج الشمس. فحين يستند الفعل السياسي إلى شرعية معرفية وثقافية، يكتسب عمقًا استراتيجيًا وقدرة أعلى على الإقناع.
وفي زمن تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على التأثير لا على الإكراه، وعلى بناء الصورة لا فرض الموقف، يبرز الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية كتجربة واعدة، جديرة بالاهتمام والدعم. لقد اختار أن يجعل من المعرفة سفيرًا، ومن الثقافة جسرًا، ومن الوطن بوصلة، محوّلًا الانتماء إلى ممارسة، والعاطفة إلى مشروع، قادر على مخاطبة العالم بوعي وثقة ومسؤولية. إنها دبلوماسية تنبع من المجتمع، وتعمل من أجله، وتخدم الدولة دون أن تحل محلها، حيث تصبح الأمة فكرة تمشي على أقدام مواطنيها، في واحدة من أنبل صور الوطنية المعاصرة.

