الصحافة المهنية بين رهانات التنمية ومأزق التهميش بجهة مراكش آسفي
محمد الدفيلي
تُعد الصحافة المهنية ركيزة أساسية في مسار التنمية والديمقراطية، فهي المرآة التي تعكس نبض المجتمع، وتنقل تطلعات المواطنين، وتواكب السياسات العمومية بالنقد البناء والمساءلة المسؤولة. فالصحافة الجادة ليست مجرد وسيلة إخبار، بل شريك حقيقي في التوعية والتنمية، ورافعة لتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
غير أن هذا الدور الحيوي يواجه في جهة مراكش آسفي، وبشكل خاص في إقليم الرحامنة، تحديات عميقة تهدد استمرارية المقاولات الصحفية المحلية. في مقدمتها غياب الدعم العمومي وانعدام العدالة في توزيع الإعلانات، إذ غالبية هذه المؤسسات الإعلامية صغيرة أو صغيرة جدًا، تشتغل بإمكانات محدودة، وغالبًا خارج شروط الاستفادة من الدعم العمومي المركزي المخصص للصحافة.
وبحكم هذا الواقع، تجد الصحافة الجهوية نفسها أيضًا خارج حسابات المؤسسات العمومية وشبه العمومية، سواء فيما يتعلق بنشر البلاغات القانونية والإدارية والقضائية، أو الاستفادة من الحملات الإعلانية والترويجية للتظاهرات الوطنية، التي تُصرف عليها ميزانيات ضخمة من المال العام. على سبيل المثال، تُنظم على مستوى جهة مراكش آسفي سنويًا عشرات التظاهرات الكبرى، العديد منها تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وتتم تغطيتها الإعلامية غالبًا عبر صفقات عمومية تستفيد منها شركات التواصل الكبرى، بينما تُقصي المقاولات الصحفية الجهوية الصغيرة.
ورغم محدودية مواردها، فإن هذه المؤسسات الصحفية قادرة على المساهمة الفعلية في مواكبة هذه التظاهرات من خلال منصاتها الإلكترونية أو صفحاتها الورقية، كما يمكنها توفير مساحات إعلانية خاصة لهذه الفعاليات وفق القوانين الجاري بها العمل. لكن السؤال يبقى: لماذا هذا الإقصاء المستمر؟ ولماذا يُغيب البعد الجهوي والمجالي في تصور إشراك الإعلام المحلي في دينامية التنمية والترويج الترابي؟
على مستوى إقليم الرحامنة، نجد نموذجًا واضحًا في جامعة محمد السادس التقنية متعددة التخصصات، التي تنظم سنويًا عشرات اللقاءات العلمية والندوات والمنتديات الدولية. السؤال المشروع هنا: هل تتم تغطية هذه الأحداث مجانًا؟ أم أن قاعدة “مطرب الحي لا يُطرب” هي المعتمدة حين يتعلق الأمر بالإعلام المحلي؟
إن مؤسسات بهذا الحجم، التي تسوق لصورة المغرب داخليًا وخارجيًا، يفترض أن تكون حاضنة للإعلام الجهوي والمهني، لا أن تتجاهله أو تُقصيه، لأن التنمية المحلية تبدأ من التواصل المحلي، ولأن الصحافة الرحامنية جزء من النسيج المجتمعي الذي يعكس صورة الإقليم ويواكب تحوله.
فوق ذلك، يجب التذكير بأن هذه المؤسسات الإعلامية هي مقاولات مواطِنة، تؤدي الضرائب، وتخلق فرص شغل ولو محدودة، وتساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في الناتج الوطني الخام. ومع ذلك، فإن الحرمان والإقصاء والتهميش هو الحظ الأوفر لها، في مفارقة لا تنسجم مع الخطاب الرسمي الداعي إلى دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة وتشجيع المبادرة الحرة.
أمام هذا الواقع، تفرض الأسئلة نفسها بإلحاح: لماذا هذا التهميش الممنهج؟ لماذا يُقصى الشباب المقاولون في المجال الإعلامي المهني؟ ولماذا يُغيب صوت الصحافة الجادة بينما تُفتح الأبواب أمام منتحلي الصفة والمقربين؟
إن إنصاف الصحافة المهنية بجهة مراكش آسفي، وبإقليم الرحامنة بشكل خاص، ليس مجرد مطلب فئوي، بل ضرورة تنموية ووطنية. فبدون إعلام محلي قوي ومستقل، لن تكون هناك تنمية حقيقية، ولا مساءلة فعالة، ولا وعي مجتمعي ناضج.

