الدكتورة جميلة مرابط في مؤتمر UN GYCS25: دعوة لربط التكنولوجيا بالعدالة في قطاع الطاقة
قدمت الدكتورة جميلة مرابط المتخصصة في استراتيجيات وسياسات الطاقة والاستدامة البيئية ،قدمت مداخلة بعنوان “الطاقة الذكية للجميع: تعزيز الهدف السابع من خلال الذكاء الطاقي وتعاون الجنوب-الجنوب – حالة الهند وإفريقيا”.خلال فعاليات المؤتمر العالمي للشباب حول أهداف التنمية المستدامة (UN GYCS25) في 10 يوليو 2025.حيث ركزت المداخلة على الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة (SDG 7)، الذي يهدف إلى “ضمان حصول الجميع على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة بتكلفة ميسورة”. وأكدت على أن الهدف السابع يتضمن ثلاث غايات رئيسية: ضمان وصول الجميع إلى الطاقة بأسعار معقولة، زيادة نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة العالمي، ومضاعفة معدلات تحسين كفاءة الطاقة.
وفي ما يلي النص الكاملة للمداخلة:
“Smart Energy for All: Enhancing SDG7 through Energy Intelligence and South-South Synergies – The Case of India and Africa”
الطاقة الذكية للجميع: تعزيز الهدف السابع من خلال الذكاء الطاقي وتعاون الجنوب-الجنوب – حالة الهند وإفريقيا
يشكل الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 محورًا استراتيجيًا لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، إذ ينص صراحة على “ضمان حصول الجميع على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة بتكلفة ميسورة.”
هذا الهدف يعكس وعيًا عالميًا متزايدًا بأن الطاقة ليست فقط محركًا للنمو الاقتصادي، بل عنصرًا حاسمًا لتحقيق التنمية البشرية، تقليص الفقر، تعزيز الأمن الغذائي، والنهوض بالصحة والتعليم والمساواة.
ويتضمن SDG 7 ثلاث غايات رئيسية:
- ضمان وصول الجميع إلى خدمات الطاقة بأسعار معقولة وموثوقة وحديثة بحلول عام 2030.
- زيادة نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة العالمي.
- مضاعفة معدلات تحسين كفاءة الطاقة.
الحق في الطاقة النظيفة كرافعة للتنمية المستدامة
الاعتراف بالطاقة كـحق من حقوق الإنسان، وبخاصة الطاقة النظيفة، يُعد تحوّلاً جوهريًا في هندسة السياسات التنموية. فالوصول إلى الطاقة الحديثة لم يعد مجرد خيار تنموي، بل شرط أساسي للكرامة الإنسانية والعدالة المجالية والاجتماعية.
إن الطاقة النظيفة: تمكّن النساء في المجتمعات الريفية من التحرر من أعباء الوقت والعمل المرتبط بجلب الحطب أو استخدام الوقود التقليدي؛
تحفّز ريادة الأعمال عبر تمكين المشاريع الصغيرة من العمل بوسائل حديثة؛
تقلّص الانبعاثات وتحمي البيئة، ما ينسجم مع التزامات الدول في اتفاق باريس للمناخ؛
تعزز الاستقرار السياسي، من خلال معالجة أحد جذور النزاعات المرتبطة بالموارد؛
وتُعدّ آلية للعدالة المناخية،
إذ إن الفئات الأكثر هشاشة هي الأكثر تضررًا من غياب الطاقة النظيفة.
وهنا يصبح الحق في الطاقة النظيفة والمتجددة أداة تمكين شامل، لا مجرد هدف تقني، بل حقًّا يعزز سيادة الدول على خياراتها التنموية، ويقلّص التبعية التكنولوجية ويضمن سياسات انتقال طاقي عادلة.
*الوضع العالمي: أين نحن اليوم؟
رغم التقدم المحرز في العقد الماضي، إلا أن العالم لا يزال بعيدًا عن تحقيق SDG 7 بحلول عام 2030:
ما يقارب 660 مليون شخص حول العالم لا يزالون محرومين من الكهرباء (2023). 2.1 مليار شخص يعتمدون على وقود ملوّث للطهي (الحطب، الفحم، الكيروسين)، مما يهدد صحتهم وبيئتهم.
الطاقة المتجددة تمثل حوالي 30% فقط من إجمالي استهلاك الكهرباء العالمي، لكن معظم هذا التقدم يتمركز في الدول المتقدمة، بينما تتخلف أفريقيا جنوب الصحراء وغيرها من المناطق الهشة.
الاستثمارات في الطاقة النظيفة لا تزال غير متوازنة، إذ تتلقى الدول النامية أقل من 15% من التمويلات العالمية المخصصة للانتقال الطاقي.
إضافة إلى ذلك، تؤثر الأزمات الجيوسياسية مثل الحرب، وتقلبات أسعار الوقود الأحفوري، سلبًا على دينامية الانتقال الطاقي. كما أن التحديات التمويلية والتكنولوجية تعرقل جهود الدول ذات الدخل المحدود رغم طموحاتها.
لكن في المقابل، هناك مبادرات واعدة:
إطلاق برامج مثل “Desert to Power” في إفريقيا،
استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة توزيع الطاقة،
توسّع مشاريع الهيدروجين الأخضر،
ونمو مبادرات التمويل المناخي الموجه نحو الطاقة.
- الهند كنموذج رائد في انتقال الطاقة
برزت الهند كأحد الفاعلين الأساسيين في قيادة التحول الطاقي العالمي، رغم التحديات التنموية والديمغرافية والاقتصادية المعقدة.
- دوافع الانتقال الطاقي في الهند
النمو السكاني والاقتصادي: الهند ثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان، وتطمح إلى مواكبة نموها الاقتصادي بقطاع طاقة متطور وآمن.
الاعتماد الكبير سابقًا على الفحم: شكّل أكثر من 70% من الكهرباء، ما فرض ضغوطًا بيئية وصحية.
التزامات دولية: الهند طرف فاعل في اتفاق باريس، وتسعى لخفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2070.
- سياسات واستراتيجيات التحول الطاقي
الاستراتيجية الوطنية للطاقة الشمسية: أطلقت عام 2010، وتستهدف توليد 280 غيغاواط من الطاقة الشمسية بحلول 2030.
مبادرة التحالف الدولي للطاقة الشمسية (ISA): أطلقتها الهند وفرنسا عام 2015، وتضم أكثر من 120 دولة.
برنامج الشبكة الذكية والتخزين الطاقي: لتقوية الشبكات الكهربائية وتحقيق التوزيع العادل.
- الإنجازات
ارتفاع حصة الطاقات المتجددة (الشمسية، الرياح، الكتلة الحيوية) إلى أكثر من 43% من القدرة الكهربائية المركبة بحلول 2024.
إنشاء واحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم (محطة بهادلا في راجستان).
تطوير صناعات محلية متقدمة في مجال بطاريات التخزين والهيدروجين الأخضر.
- التحديات التي تواجهها الهند
الفقر الطاقي في المناطق الريفية: لا تزال هناك قرى بدون كهرباء منتظمة.
تمويل مشاريع الانتقال الطاقي: الحاجة إلى دعم مالي وتقني دولي.
التحولات الاجتماعية والعمالية: ضرورة إعادة تدريب العمال في قطاع الفحم.
- دروس مستفادة لإفريقيا والعالم العربي
أهمية الإرادة السياسية والاستثمار طويل المدى.
ضرورة إشراك القطاع الخاص والمجتمع المحلي في خطط الطاقة.
التركيز على الابتكار المحلي والتكنولوجيا المفتوحة.
الهند تقدم نموذجًا ملهمًا للدول السائرة في طريق التنمية، حيث تجمع بين متطلبات العدالة الاجتماعية والبيئية، والسياسات الذكية في مجال الطاقة. ويمثل نجاحها فرصة لتعاون عالمي أكبر، خاصة مع الدول الإفريقية والعربية، لبناء مستقبل طاقي نظيف وشامل. لتجربة في استعمال البيانات والرقمنة (مثلاً العدادات الذكية، التطبيقات الطاقية(
كيف تستفيد إفريقيا من التجربة الهندية؟
تُمثّل التجربة الهندية في التنمية الشاملة والتحول الطاقي نموذجًا ملهمًا لإفريقيا، نظرًا لما تتقاسمه المنطقتان من تحديات تنموية وهيكلية متشابهة، كارتفاع معدلات الفقر، التفاوت المجالي، والاعتماد الكبير على الفلاحة والقطاعات غير المهيكلة. فقد استطاعت الهند، من خلال رؤية استراتيجية موجهة نحو المستقبل، أن توظف التكنولوجيا والطاقات المتجددة كرافعة للتنمية، مع التركيز على الشمول الاجتماعي والتمكين الرقمي. ويمكن لإفريقيا أن تستفيد من هذه التجربة عبر اعتماد نموذج لا مركزي في إنتاج وتوزيع الطاقة، يراعي الطبيعة الجغرافية للقرى والمناطق النائية، مع توطين الحلول التكنولوجية عبر دعم الابتكار المحلي وريادة الأعمال الشبابية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي الزراعي والتكنولوجيات الخضراء. كما يُمكن تعزيز الهوية الرقمية والتمويل الإلكتروني على غرار منصة “Aadhaar” الهندية، لضمان إيصال الدعم والخدمات الاجتماعية إلى الفئات الهشة بكفاءة وشفافية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التركيز على إصلاح نظم التعليم والبحث العلمي في إفريقيا، عبر إدماج تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، يُعد ركيزة أساسية لبناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة. ومن خلال تطوير سياسات عامة قائمة على البيانات، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، يمكن لإفريقيا أن توائم التجربة الهندية بما يخدم أولوياتها التنموية، في أفق بناء نموذج إفريقي مستقل، متجذر في خصوصياته، ومتطلع إلى شراكات جنوب-جنوب عادلة وفعالة.
- دعوة للتحرك والتفكير المشترك
أمام التحديات المتسارعة التي يعيشها العالم في مجال الطاقة، ومع تصاعد الحاجة إلى نظم طاقية أكثر عدلاً وكفاءة واستدامة، نوجّه دعوة ملحّة لكل الفاعلين الحكوميين والمدنيين والأكاديميين والقطاع الخاص، للتحرك الجماعي والتفكير المشترك من أجل تحقيق الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة: “ضمان حصول الجميع على طاقة حديثة، موثوقة، مستدامة وبأسعار ميسورة”.
إن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلا برؤية تشاركية تدمج التكنولوجيات الذكية، والسياسات العادلة، والتمويل المبتكر، مع احترام الخصوصيات المجالية والبيئية. وبهذا، يصبح تحقيق هذا الهدف فرصة لتقليص الفوارق، وتمكين الفئات المهمشة، وتسريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في إفريقيا والمناطق النامية.
فلنُفعّل الحوار، ونبني التحالفات، وندعم المبادرات المحلية، حتى لا يبقى الحق في الطاقة حلمًا مؤجلاً، بل واقعًا ملموسًا للجميع دون استثناء.
مفهوم الذكاء الطاقي النسقي (Energy Intelligence) –
كيف يمكن للذكاء الطاقي النسقي أن يُسرّع تحقيق SDG 7؟
أتحدث إليكم اليوم بصفتي باحثة وخبيرة في مجال الاستراتيجيات الطاقية، حيث أؤمن أن تحقيق الهدف السابع يتطلب توظيف مفهوم جديد ومتكامل: الذكاء الطاقي النسقي. هذا المفهوم لا يقتصر على الابتكار التقني أو الكفاءة فقط، بل يتعدى ذلك ليصبح أداة سيادية تنموية تمكّن الشعوب والمجتمعات من التحكم في مصادرها الطاقية، وتحقيق العدالة المجالية، وتعزيز الأمن الطاقي المستدام.
ماهية الذكاء الطاقي النسقي
الذكاء الطاقي النسقي يُعَرَّف بأنه القدرة على معالجة وتحليل بيانات الطاقة الضخمة Big Data عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وربطها بنماذج نسقية تستوعب العلاقات المتبادلة بين مصادر الطاقة، البنية التحتية، الطلب المجتمعي، العوامل البيئية، والأبعاد الاجتماعية-الاقتصادية. يتيح هذا الدمج التنبؤ بالأثر التراكمي للقرارات والسياسات الطاقية، ومعالجة الاختلالات قبل وقوعها.
كيف يظهر “الذكاء النسقي” هنا؟
الذكاء النسقي هو الوعي بكيفية ترابط العناصر المختلفة داخل النظام الطاقي.
في الذكاء الطاقي النسقي، لا نرى فقط التكنولوجيا، بل: من يطورها؟ من يملكها؟ من يتحكم في تدفق البيانات؟
من يحدد الأولويات: الكفاءة؟ العدالة؟ الأرباح؟
مثال عملي:
لنفترض وجود مشروع ربط شبكات الكهرباء الذكية بين المغرب وأوروبا:
في النسق الطاقي الذكي، المشروع لا يُفهم فقط تقنيًا.
بل يجب تحليله ضمن تفاعلات:
الجغرافيا السياسية، الأمن الطاقي، التوزيع العادل للطاقة، استقلالية القرار، تمثيلية المرأة والمجتمعات المحلية، الهيمنة التكنولوجية الأوروبية على أنظمة الذكاء الاصطناعي.
إذن، “النسق الذكاء الطاقي” يعني:
تفكيك شبكة العلاقات الفاعلة داخل النظام الطاقي الذكي؛ فهم موازين القوة داخلها؛ تحليل أثر الذكاء الاصطناعي على العدالة والنجاعة والاستقلال الطاقي؛ واقتراح سياسات تراعي تكامل البعدين التقني والسياسي/القيمي
للاشارة أن مصطلح “الذكاء الطاقي” (Energy Intelligence) ليس من المصطلحات الشائعة جدًا في الأدبيات التقليدية، لكنه يُستخدم بشكل متزايد لوصف القدرة على تحويل استهلاك الطاقة من عملية تقليدية إلى فعل استراتيجي واعٍ، يدمج بين التقنية والمعرفة والسلوك من أجل تنمية مستدامة وعدالة بيئية
ويعود استخدام المصطلح داخل أوساط الاستخبارات العسكرية لوصف جمع وتحليل المعلومات حول المصادر الطاقية الأجنبية(مواقعها، قدراتها، سياساتها، تقنياتها، وأبعادها الاقتصادية والأمنية) منذ أوائل العقد 2010، ظهر المصطلح في أبحاث وتقارير مهنية وفي أوساط الشركات الكبيرة لوصف الأنظمة والبرمجيات المصممة لغرض الإدارة الذكية لاستهلاك الطاقة في المنشآت. مؤخرًا، ومع انتشار الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، ظهر المصطلح في أوساط أكاديمية وتقنية
يُعد الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة (SDG 7) الخاص بضمان الحصول على طاقة نظيفة، موثوقة، مستدامة وبأسعار معقولة للجميع، من الركائز الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية على الصعيد العالمي. في ظل التحولات السريعة التي يشهدها قطاع الطاقة، يبرز مفهوم “الذكاء الطاقي” كأحد الأدوات الحاسمة التي تسهم في تعزيز فعالية وكفاءة نظم الطاقة الحديثة.
في ختام كلمتي،
أود أن أدعو جميع الحضور والمؤسسات الدولية والحكومات إلى العمل المشترك، ليس فقط لتحقيق الهدف السابع، بل لتطوير إطار عمل شامل يعزز الأمن الطاقي، النجاعة الطاقية، والذكاء الطاقي كأدوات متكاملة من أجل مستقبل طاقي مستدام وعادل.
إنها لحظة فارقة لتأكيد أن الطاقة النظيفة ليست رفاهية، بل حق أساسي وركيزة للتنمية والسلام العالميين. وبصفتنا روادًا في هذا المجال، علينا أن نضع في مقدمة أولوياتنا تمكين الشعوب من إدارة مواردها بحكمة وذكاء.
شكراً لكم على حسن الاستماع.

