ثلاثية إبداعية واحتفاء بمسيرة مُلهمة تُثري المشهد الثقافي المغربي

0

ثلاثية إبداعية واحتفاء بمسيرة مُلهمة تُثري المشهد الثقافي المغربي

بقلم: عبد الحق السلموتي

شهدت الساحة الثقافية المغربية في الآونة الأخيرة تدفقًا لافتًا لإصدارات جديدة تُضاف إلى رصيدها الغني، كان لاسم الشاعر والمسرحي القدير الدكتور محمد فراح فيها حضورًا بارزًا ومُبهجًا. فبين نص مسرحي بديع، وديوان شعري يلامس الوجدان، ومجموعة نصوص مسرحية تُجسد رؤيته الفنية، تأتي هذه الثلاثية لتؤكد على غزارة إنتاجه وعمق تجربته الإبداعية. وإلى جانب هذا العطاء المتجدد، يحلّق اسم الدكتور فراح عاليًا في سماء التكريم والاعتراف، من خلال مُنجز جماعي قيّم يسلط الضوء على مسار حياته وإبداعه الثري.

يُستهل هذا العرس الثقافي بنص مسرحي يحمل عنوان “طبول من الصحراء”، صادر عن منشورات مكتبة السلام الجديدة. في 72 صفحة من القطع المتوسط، يُقدم لنا الدكتور فراح سبع نوافذ مسرحية آسرة، تحمل عناوين دالة ومُغرية بالتأمل. يأخذنا النص في رحلة فنية إلى فترة حكم يوسف بن تاشفين، ثاني ملوك الدولة المرابطية، لكن من زاوية أدبية وفنية خاصة بكاتب سيناريو الفيلم الشهير “الورطة”. وقد نجح الكاتب في صياغة حوارات مُفعمة بلغة شعرية شفافة تخاطب الروح قبل العقل، مما يجعل هذا العمل جديرًا بالقراءة المتأنية وإعادة الاكتشاف. الجدير بالذكر أن هذا النص سبق وأن قُدّم على خشبة المسرح في عام 1991، ليُعاد تقديمه لاحقًا، مما يؤكد على قيمته الفنية وقدرته على التواصل مع الجمهور عبر الزمن.

وفي مجال الشعر، يُطل علينا الدكتور فراح بديوانه الجديد “رعشات الرياح”، الصادر في حلة أنيقة عن جمعية محترف التلقي المسرحي. يضم الديوان بين دفتيه اثنتي عشرة قصيدة قصيرة موزعة على 120 صفحة، يتصدر غلافه لوحة فنية تجريدية بديعة أبدعها الفنان عبد الحميد الغرباوي، الصديق ورفيق الدرب الإبداعي للدكتور فراح. تحمل قصائد الديوان نفحة إنسانية عميقة، كما يتجلى في قصيدة “أورقت غيمتي من دمي” المهداة لابنه غسان، والتي تتضمن صورًا شعرية مؤثرة ودعوة للحياة والتسامي. يُضاف هذا الديوان إلى رصيد الدكتور فراح الشعري الهام، الذي يضم أعمالًا سابقة تركت بصمتها في المشهد الشعري المغربي.

أما الإصدار الثالث للدكتور فراح، فيحمل عنوان “الحي الميت – يا أنت – الغامض بن غموض”، وهو كتاب يضم ثلاثة نصوص مسرحية جديدة، صدر عن منشورات مكتبة السلام الجديدة. يواصل الكاتب في هذه النصوص استكشاف جماليات تيار الاحتفالية المسرحي الذي يُعد من أبرز رواده. تتناول النصوص قضايا إنسانية واجتماعية بأسلوب فني مُبتكر، حيث نجد في “الحي الميت” مونودراما مؤثرة عن بحار مُتقاعد يواجه قسوة الوحدة والضياع، وفي “يا أنت” صراعًا بين شخصيات رمزية، بينما يستلهم نص “الغامض بن غموض” أجواء جائحة كورونا. وقد حظي هذا الكتاب بتقدير من قبل الناقد المسرحي الدكتور عبد المجيد شكير، الذي أشاد بعمق فكر الكاتب وقدرته على تقديم نصوص مسرحية تمتد في الزمن وتفرض نفسها في الراهن.

وإلى جانب هذه الإصدارات الثلاثة القيّمة، يأتي كتاب “محمد فراح: الشاعر والناقد والكاتب المسرحي – مسار حياة وإبداع”، كعربون وفاء وتقدير لمسيرة هذا المبدع. هذا المنجز الجماعي، الذي أعده طلبة الإجازة المهنية: مهن المسرح والدراما بكلية الآداب والعلوم بنمسيك الدار البيضاء تحت إشراف الأستاذ ميلود بوشايد، يضم بين دفتيه مقالات نقدية وشهادات شخصية وحوارًا مطولًا، تُضيء جوانب مختلفة من حياة الدكتور فراح وإبداعه المتنوع. يُعد هذا الكتاب بمثابة تكريم مستحق لقامة أدبية وفنية أسهمت بشكل كبير في إثراء المشهد الثقافي المغربي.

إن هذه الإصدارات الجديدة والاحتفاء بالدكتور محمد فراح، تُعد محطة هامة تُعزز مكانته كواحد من الأصوات الإبداعية البارزة في المغرب. مسيرته الغنية والمتنوعة، التي جمعت بين الشعر والمسرح والنقد، تُشكل مصدر إلهام للأجيال القادمة من المبدعين. ولا شك أن هذه الأعمال الجديدة ستُضيف لبنة أخرى في صرح إبداعه، وستفتح آفاقًا جديدة للحوار والتأمل في قضايا الأدب والفن والمجتمع. فتحية تقدير لهذا القلم المُبدع، وتهنئة للساحة الثقافية المغربية بهذا العطاء الثري.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.