الذكاء الاصطناعي والإعلام.. حين تصبح مسؤولية المعلومة مسؤولية عن أثرها
خبر24 – متابعة
شاركت الدكتورة دنيا تامري في مؤتمر مينا العلمي الأول للإعلام والتحولات الرقمية بمداخلة علمية تناولت موضوع «المسؤولية المجتمعية للإعلام الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي: مقاربة سيكولوجية لتشكّل الوعي الجمعي في سياق الأزمات بين الاحتواء والتضخيم»، مقدمة قراءة تتجاوز المقاربة التقنية التقليدية للتحول الرقمي، لتضع الإنسان في قلب العملية الإعلامية، باعتباره متلقيًا يتفاعل مع المعلومة معرفيًا وانفعاليًا، قبل أن يحولها إلى مواقف وقرارات وسلوكيات.

من صحة الخبر إلى سلامة مسار المعلومة
انطلقت المداخلة من إشكالية أساسية مفادها أن الأزمة في البيئة الرقمية لم تعد مجرد حدث يقع في الواقع ثم يتولى الإعلام نقله، وإنما أصبحت جزءًا من منظومة اتصالية ونفسية معقدة تتداخل فيها صناعة المحتوى، والتأطير الإعلامي، والوساطة الخوارزمية، وسرعة الانتشار، إلى جانب الخصائص النفسية والاجتماعية للمتلقي.
وبذلك، لم يعد السؤال مقتصرًا على «هل المعلومة صحيحة؟»، بل انتقل إلى سؤال أكثر تركيبًا: «هل مسار المعلومة سليم؟»
ويقترح هذا التصور توسيع دائرة المسؤولية الإعلامية لتشمل مصدر المعلومة ومحتواها وسياقها وطريقة تأطيرها وشروط توزيعها وانتشارها، وصولًا إلى الأثر الذي تتركه في إدراك الجمهور وثقته وسلوكه.
الإعلام والأزمة.. بين الاحتواء والتضخيم
وأبرزت المداخلة أن الخلل الإعلامي خلال الأزمات لا ينتج بالضرورة عن نشر أخبار كاذبة، إذ يمكن أن يحدث أيضًا من خلال اجتزاء الحقيقة من سياقها، أو تضخيم جانب معين منها، أو تقديم الاحتمال باعتباره حقيقة مؤكدة، أو الإفراط في تكرار الصور والمضامين المثيرة، بما قد يرفع مستويات الخوف والقلق بدل تعزيز الفهم والقدرة على اتخاذ القرار.
وفي هذا السياق، يصبح الإعلام طرفًا مؤثرًا في دينامية الأزمة؛ فقد يساهم في احتوائها وبناء الثقة وترشيد الوعي، أو يتحول، بفعل طريقة إنتاج الرسائل وتوزيعها، إلى عامل إضافي في التضخيم والارتباك النفسي والاجتماعي.
مقاربة بينية تضع علم النفس داخل العملية الإعلامية
اعتمدت المداخلة مقاربة بينية جمعت بين دراسات الإعلام والاتصال، واتصال الأزمات، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس السيبراني، إلى جانب بعض آليات المعالجة المعرفية والانفعالية والمرجعيات الأخلاقية المؤطرة للممارسة الإعلامية.
ومن هذا المنظور، لا تُفهم المعلومة باعتبارها محتوى محايدًا ينتقل من مرسل إلى متلقٍ، وإنما باعتبارها عنصرًا يمكن أن يؤثر في الانتباه والإدراك والانفعال والثقة وتقدير المخاطر واتخاذ القرار.
فالإنسان، كما أبرزت المداخلة، لا يستقبل الرسالة الرقمية بالطريقة التي يستقبل بها الحاسوب ملفًا جاهزًا؛ إذ تمر المعلومة عبر سلسلة من العمليات تبدأ بالتعرض والانتباه، ثم التفسير وإدراك الخطر والانفعال وتقدير المصداقية، وصولًا إلى الحكم والقرار والسلوك.
وتزداد أهمية هذه الآليات في الأزمات، حيث ترتفع الحاجة إلى المعلومة، وتتزايد مستويات القلق، ويصبح الجمهور أكثر قابلية للتأثر بالمحتوى المتكرر أو المثير.
البحث العلمي في خدمة الممارسة الإعلامية
لم تكتفِ المداخلة بالتأطير النظري، وإنما استندت إلى نتائج دراسات وتجارب منشورة، واستحضرت معطيات إحصائية لفهم أنماط التلقي والسلوك داخل البيئة الرقمية.
ومن بين المعطيات التي تم تقديمها نتائج تحليل شمل 20 تجربة و26,863 مشاركًا حول أثر توجيه الانتباه إلى دقة المحتوى قبل مشاركته، إلى جانب معطيات بحثية مرتبطة بتأثير اللغة السلبية في جذب الانتباه، وأثر التعرض الإعلامي المكثف للأزمات في الضغط النفسي.
ولم تُقدَّم هذه النتائج باعتبارها أرقامًا معزولة، وإنما استُثمرت لفهم بعض الآليات النفسية والمعرفية التي تفسر أنماط التلقي والمشاركة والتأثر، ثم الانتقال من التشخيص إلى اقتراح حلول وإجراءات قابلة للتطبيق.
مسؤولية الإعلام تبدأ قبل النشر ولا تنتهي بعده
قدمت المداخلة مجموعة من المحددات العملية التي يمكن أن تشكل جزءًا من الممارسة الإعلامية المسؤولة، من بينها التحقق قبل السبق، ووضع المعلومة في سياقها قبل تحويلها إلى عنوان، والتمييز بين المعلوم والمحتمل، وعدم تحويل الاحتمال إلى يقين.
كما دعت إلى موازنة الرسالة الإعلامية مع مستوى الخطر الفعلي، وليس مع مقدار الإثارة التي يمكن إنتاجها، مع التعامل مع أثر التوزيع والانتشار باعتباره جزءًا من المسؤولية الإعلامية، وليس مجرد نتيجة جانبية للنشر.
وتشمل المسؤولية كذلك المتلقي نفسه، من خلال تعزيز عادة التوقف قبل المشاركة، والتحقق من المصدر، واستعادة السياق، والبحث عن دليل مستقل، والانتباه إلى الحالة الانفعالية قبل إعادة نشر المحتوى.
وبذلك يتحول الوعي الإعلامي من مفهوم نظري إلى ممارسة معرفية وسلوكية يومية.
من الإعلام الرقمي إلى بناء الإنسان
وتأتي هذه المداخلة امتدادًا للمشروع الفكري والبحثي الذي تشتغل عليه الدكتورة دنيا تامري حول موقع الإنسان في عصر التحول الرقمي، وهو المشروع الذي يتجلى أيضًا في كتابها «الذكاء الاصطناعي والإنسان في عصر التحول الرقمي: رؤى وتطبيقات – كيف نستثمر التقنية لبناء الإنسان والمجتمع».
وينطلق الكتاب من سؤال يتجاوز قدرات الذكاء الاصطناعي التقنية، نحو مساءلة موقع الإنسان داخل هذا التحول: كيف يمكن الاستفادة من التكنولوجيا دون أن يتحول الإنسان إلى تابع لمنطقها؟ وكيف يمكن توظيف أدواتها في التعلم والعمل والبحث والتواصل، مع الحفاظ على استقلالية التفكير والنقد والحكم وتحمل المسؤولية؟
وتقوم هذه الرؤية على مبدأ أساسي مفاده أن تظل التقنية في خدمة الإنسان والمجتمع، لا أن يتحول الإنسان إلى تابع لها.
وفي المجال الإعلامي، تتقاطع هذه الرؤية مع قضايا خوارزميات التوصية والانتباه، والتضليل الذكي، والتزييف العميق، والتحقق الرقمي، والتربية الإعلامية، والوعي بآليات التأثير الخوارزمي.
الإنسان هو الحلقة الحاسمة
تكشف المداخلة، في امتدادها للكتاب، عن وحدة واضحة في المشروع الفكري للدكتورة دنيا تامري؛ فالمسألة لا تتعلق برفض التكنولوجيا أو الانبهار بها، وإنما بتأهيل الإنسان لفهمها واستثمارها مع الحفاظ على قدرته على التفكير النقدي والاختيار والتحقق وتحمل المسؤولية.
وفي زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج كميات هائلة من المحتوى وتسريع توزيعه، فإن التحدي لم يعد تقنيًا فقط، بل أصبح مرتبطًا بكيفية استقبال الإنسان لهذا المحتوى وتأويله والتفاعل معه.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك أدوات أكثر تطورًا، وإنما في بناء إنسان أكثر وعيًا بطريقة توظيفها، وأكثر قدرة على حماية استقلاله في التفكير والحكم والاختيار.
ففي بيئة إعلامية تتسارع فيها المعلومة، قد لا تكون المشكلة دائمًا في المعلومة وحدها، بل في مسارها، وسياقها، وطريقة استقبالها، والأثر الذي تتركه بعد وصولها إلى الإنسان.