الصحراء والدبلوماسية والمواطنة.. أبرز رسائل ندوة مغاربة العالم
خبر24- مولاي المهدي غرايبة
حين يلتقي تاريخ المقاومة برهانات المستقبل، تصبح الرمزية أبلغ من الكلمات. ففي رحاب المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، المؤسسة التي تحفظ ذاكرة الكفاح الوطني وتخلّد تضحيات رجال ونساء الاستقلال، احتضنت قاعة الندوات لقاءً فكريًا بعنوان “مواطنة مغاربة العالم بين المكتسبات والتحديات”، في مشهد حمل دلالات سياسية ووطنية عميقة.

لم يكن اختيار المكان مجرد صدفة تنظيمية، بل رسالة مؤسساتية واضحة مفادها أن مغاربة العالم يشكلون امتدادًا طبيعيًا لمسيرة الدفاع عن الوطن. فكما حمل المقاومون بالأمس راية التحرير، يحمل أبناء الجالية المغربية اليوم مسؤولية الدفاع عن صورة المغرب ومصالحه وقضاياه العادلة في مختلف المحافل الدولية، من خلال الدبلوماسية الموازية والتأثير في الرأي العام العالمي.
وقد أضفى حضور المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، مصطفى الكثيري، بعدًا تاريخيًا على هذا اللقاء، إذ التقت ذاكرة المقاومة مع أسئلة الحاضر ورهانات المستقبل، في رسالة مفادها أن الوطنية ليست حدثًا انتهى، بل مسؤولية تتجدد بتجدد الأجيال.
وفي هذا السياق، جاءت كلمة الدكتور مصطفى عزيز، رئيس حركة مغرب الغد، لتعكس تحولًا في النظرة الرسمية إلى مغاربة العالم، مؤكدة أن هؤلاء لم يعودوا مجرد جالية تحتاج إلى الرعاية، بل أصبحوا رصيدًا استراتيجيًا للمملكة، وشريكًا أساسيًا في مسار التنمية والدفاع عن المصالح العليا للوطن.
وشدد المتدخل على ضرورة ترسيخ مفهوم المواطنة الكاملة، بما يضمن حقوق مغاربة العالم ويعزز مشاركتهم في صناعة القرار، داعيًا في الوقت نفسه إلى انخراطهم الفاعل في الدبلوماسية الموازية، وفي مقدمتها الدفاع عن قضية الصحراء المغربية باعتبارها أولوية وطنية.
وقد عكس البرنامج العلمي للندوة هذا التوجه من خلال محاور متنوعة تناولت التنزيل الدستوري لمقتضيات دستور 2011 الخاصة بمغاربة العالم، وأدوار الدبلوماسية الموازية، ومكانة المرأة المغربية المهاجرة، إضافة إلى تحديات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي وانعكاساتها على علاقة الدولة بجاليتها في الخارج.
غير أن النقاش لم يغفل الإشارة إلى التحديات القائمة، وفي مقدمتها استمرار بعض الممارسات الإدارية والقنصلية التي لا تزال، في نظر عدد من المتدخلين، بعيدة عن مستوى الطموح الذي تعكسه التوجيهات الملكية والخطاب الرسمي. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول مدى قدرة المؤسسات على مواكبة هذا التحول في الرؤية، وترجمة مفهوم المواطنة الكاملة إلى سياسات وإجراءات عملية.
لقد أكدت هذه الندوة أن الدولة المغربية تنظر اليوم إلى مغاربة العالم باعتبارهم قوة وطنية وامتدادًا استراتيجيًا للوطن، وأن الاستثمار في كفاءاتهم وخبراتهم لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها التحولات الدولية ومتطلبات التنمية.
ومن رحاب المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، خرجت رسالة واضحة: إن مغاربة العالم ليسوا بعيدين عن الوطن، بل هم جزء من نبضه، وشركاء في الدفاع عن قضاياه، وصناع لمستقبله، تمامًا كما كان المقاومون بالأمس صناعًا لاستقلاله.