مذكرات منتحلي الصفات والبطولات الورقية (الحلقة الثانية)

0

مذكرات منتحلي الصفات والبطولات الورقية (الحلقة الثانية)

عندما يتحول الباحث عن الأضواء إلى “خبير” في كل شيء

بقلم: سعيد حمان

dafmedia annc 970*250

لم يعد الطريق إلى صفة “الخبير” طويلًا كما كان في السابق. فبعد سنوات من الدراسة، والتكوين، والتجربة، أصبح يكفي اليوم حساب نشط على منصات التواصل الاجتماعي، وبعض العبارات الرنانة، وصورٌ مدروسة بعناية، حتى يولد “خبير” جديد يقدم نفسه مرجعًا في كل القضايا.

المثير في هذه الظاهرة أن صاحبها لا يكتفي بمجال واحد، بل ينتقل بسهولة من السياسة إلى الاقتصاد، ومن الرياضة إلى الثقافة، ومن الشأن المحلي إلى القضايا الدولية، وكأنه يمتلك مفاتيح المعرفة في كل شيء. يوزع الأحكام بثقة، ويقدم التحليلات بصيغة اليقين، بينما يظل رصيده العلمي أو المهني عاجزًا عن تبرير هذه المكانة التي منحها لنفسه.

المشكلة ليست في إبداء الرأي، فلكل مواطن الحق في التعبير عن أفكاره والمشاركة في النقاش العام. لكن الخلل يبدأ عندما يتحول الرأي الشخصي إلى حقيقة لا تقبل النقاش، وعندما تصبح الشهرة بديلًا عن الكفاءة، وعدد المتابعين معيارًا للمصداقية.

مذكرات منتحلي الصفات والبطولات الورقية (الحلقة الثانية)

وفي كثير من الأحيان، يصبح الباحث عن الأضواء أسيرًا لها؛ فيلاحق كل موضوع يثير الجدل، ويبدل مواقفه وفق اتجاهات الرأي العام، ليس بحثًا عن الحقيقة، بل حفاظًا على حضوره في دائرة الاهتمام. وهكذا تتحول المعرفة إلى وسيلة للظهور، بدل أن تكون مسؤولية أخلاقية وعلمية.

وفي الجهة المقابلة، يواصل أصحاب الكفاءات الحقيقية عملهم بصمت. ينجزون، ويبحثون، ويبتكرون، بعيدًا عن الضجيج والاستعراض. فالتاريخ لا يمنح مكانته لمن أكثر من الحديث عن الإنجازات، وإنما لمن ترك أثرًا حقيقيًا في مجتمعه.

إن المجتمعات التي تنهض هي تلك التي تميز بين الشهرة والاستحقاق، وبين الصورة والحقيقة، وبين من يصنع المعرفة ومن يستهلكها في صناعة المحتوى. فالمصداقية لا تُقاس بعدد الإعجابات، ولا بحجم الانتشار، بل بما يقدمه الإنسان من قيمة مضافة، وبما يتركه من أثر نافع في حياة الآخرين.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل أصبح الظهور غايةً في حد ذاته، حتى ولو كان على حساب الحقيقة والكفاءة؟ أم أن الزمن سيعيد الاعتبار لمن يؤمن بأن الإنجاز هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى دعاية؟

وللحديث بقية…

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.