حين تختار الكهرباء “الانقطاع كخيار استراتيجي” بدار الشباب القدس

0

حين تختار الكهرباء “الانقطاع كخيار استراتيجي” بدار الشباب القدس

محمد الدفيلي

يبدو أن مفهوم “التحول الطاقي” داخل دار الشباب القدس بابن جرير قد تم استيعابه بشكل متقدم جداً، لدرجة أن الكهرباء نفسها قررت خوض تجربة “الانقطاع الكامل” كخيار استراتيجي دائم، وليس مجرد عطب تقني عابر كما قد يظن البعض.

فالوضع داخل المؤسسة لم يعد يتعلق بانقطاعات متفرقة أو أعطاب ظرفية، بل يمكن القول إن الكهرباء دخلت في حالة “استقرار مطلق على الانقطاع”، وهو ما جعل عدداً من القاعات تعيش تجربة ثقافية من نوع خاص: أنشطة بدون إضاءة، اجتماعات بلا رؤية، وتأطير يعتمد على الذاكرة أكثر من البصر.

ولم تعد المشكلة، على ما يبدو، في الأنشطة ولا في الجمعيات ولا حتى في عدد المستفيدين، بل في عنصر أكثر بساطة: الكهرباء… تلك “التفصيلة الصغيرة” التي التحقت بدورها بورش الإصلاح، وقررت خوض رحلة طويلة من الدراسة والتشخيص وربما لجان تقنية لا تنتهي.

حين تختار الكهرباء “الانقطاع كخيار استراتيجي” بدار الشباب القدس

فهل ستتفضل جماعة ابن جرير بحمل مشعل الإنارة؟ أم ستتدخل الوزارة الوصية بصفتها صاحبة الاختصاص “الاستراتيجي”؟ أم أن المجتمع المدني، الذي يجد صعوبة في الظفر بقاعة واحدة لأزيد من عشرين جمعية، سيُطلب منه بدوره المساهمة في تشخيص العطب وربما تمويل إصلاحه؟

المفارقة أن الكهرباء ليست وحدها من فقدت “توازنها” داخل هذه المؤسسة، بل حتى الزمن نفسه يبدو أنه دخل مرحلة إعادة توزيع للمهام منذ سنة 2023، حين بدأت دار الشباب القدس تتحول تدريجياً من فضاء للتنشئة الثقافية والفنية إلى فضاء متعدد الوظائف: تشغيل، استثمار، تقريب خدمات، وربما لاحقاً “استشارات في تدبير الفضاءات التي لم تعد فضاءات”.

حين تختار الكهرباء “الانقطاع كخيار استراتيجي” بدار الشباب القدس
الصورة الأصلية لوكالة المغرب العربي للأنباء 2023.

 

ومنذ ذلك الحين، دخلت القاعات في حالة من “التقشف المكاني”، حيث تتقاسم أكثر من 20 جمعية نشيطة قاعة واحدة، بينما تُمنح فضاءات أخرى إجازة مفتوحة باسم “المهام التنموية الجديدة”، التي يبدو أنها لا تحتاج إلى ضوء، ولا إلى إزعاج الأنشطة الثقافية من قبيل المسرح والورشات والبرامج التربوية.

أما دار الشباب، التي يفترض فيها أن تكون بيتاً للشباب، فقد أصبحت أشبه بمؤسسة في طور إعادة تعريف ذاتها: هل هي فضاء ثقافي؟ أم منصة للتشغيل؟ أم تجربة متعددة الاستخدامات تحتاج إلى دليل استعمال لم يصدر بعد؟

وفي انتظار الحسم في ملف الكهرباء، يبدو أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في انقطاع التيار، بل في تعدد “المفاتيح” التي يفترض أن تعيد الحياة إلى القاعات: مفتاح الجماعة، مفتاح الوزارة، مفتاح المجتمع المدني… وكل مفتاح ينتظر الآخر ليقوم بالدور.

إلى ذلك الحين، تظل دار الشباب القدس مضاءة بنوع آخر من الإنارة: إنارة النقاش، والمراسلات، والبيانات، وربما قدر بسيط من الأمل، لم يُدرج بعد في لائحة الأعطاب التقنية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.