بين حمامة تطير وحصان يتوقف… تتفتح الورود في الرحامنة
محمد الدفيلي
يتسارع المشهد الانتخابي بإقليم الرحامنة على إيقاع تبدّل الاصطفافات الحزبية، حيث لا تكاد تهدأ حركة التحالفات حتى تُفتح أخرى. غير أن ما يجري هذه المرة لا يشبه تنافساً سياسياً بقدر ما يشبه “معرضاً دائماً للرموز الحزبية المستعملة”، حيث تُعرض الحمامة والحصان والوردة في واجهة واحدة، مع خاصية مهمة: قابلية الانتقال السريع دون الحاجة إلى تغيير السيرة الذاتية، فقط تحديث الشعار.
في هذا السوق المفتوح على كل الاحتمالات، يبرز حميد العكرود كحالة سياسية تستحق أن تُدرّس لا في العلوم السياسية، بل في “هندسة التحولات الرمزية السلسة”. الرجل بدأ مساره من حزب الحمامة، حيث لم يكتفِ بالعضوية، بل وصل إلى قبة البرلمان وتقلّد مسؤوليات ترابية ورئاسة جماعات، قبل أن يقرر سنة 2021 أن الحمامة ربما تحتاج إلى استراحة، وأن الحصان أكثر قدرة على التحمل في المرحلة المقبلة. واليوم، وفي تطور يبدو أنه لا يثير الدهشة إلا لدى من لا يتابع السوق السياسي المحلي، يُعاد تقديم الاسم نفسه في واجهة “الوردة”، وكأننا أمام سياسي يحمل معه حقيبة صغيرة جاهزة لكل محطة: قميص حمامة، سترة حصان، وباقة ورد احتياطية.
وفي زاوية أخرى من نفس المشهد، يظهر ميلود باها كنسخة أخرى من نفس القاعدة، مع اختلاف بسيط في ترتيب المحطات لا في فلسفة السفر السياسي. بدأ بدوره تحت جناح الحمامة داخل مجلس جماعة ابن جرير، قبل أن يقرر أن الوردة أكثر رقة في التموقع وأكثر قابلية للظهور في واجهات الانتخابات، ليتحول سنة 2021 إلى أحد ألوانها المحلية.
غير أن المفاجأة – إن كان في هذا المشهد ما يزال يملك قدرة على المفاجأة – هي أن الوردة نفسها تبدو اليوم كأنها لا تمانع أن تفتح أبوابها مجدداً أمام انتقال جديد نحو “الحصان”، في سيناريو يجعل الناخب المحلي أمام لوحة سريالية: رموز تتبادل الأدوار، ومرشحون يتبادلون الأقمصة أكثر مما يتبادلون الأفكار.
وفي الخلفية، تُحاك روايات عن دعم هنا وتزكية هناك، وعن وساطات لا تمر عبر المقرات الحزبية بقدر ما تمر عبر “الذاكرة السياسية المرنة”، حيث لا شيء يُحسم داخل المؤسسات بقدر ما يُعاد ترتيبه في الهوامش. أما البرامج، فهي تبدو في هذه المرحلة مثل ديكور موسمي يُخرج عند الحاجة فقط لتزيين لحظة الإعلان.
وبين حمامة تتقن الطيران بين الضفاف، وحصان لا يبدو أنه يعرف إلى أين يركض، ووردة تتفتح في كل تربة وتتحمل كل الفصول، يتحول المشهد الانتخابي إلى ما يشبه مسرحاً مفتوحاً بلا نهاية، أبطاله معروفون، وأدواره قابلة للتبديل في أي لحظة، بينما الجمهور الوحيد الذي لا يملك حق تبديل موقعه هو الناخب، الذي يُطلب منه كل مرة أن يتابع العرض بجدية… وكأن شيئاً لم يتكرر.
