الجفاف والفلاحة المستدامة في صلب نقاش علمي وطني بكلية بنمسيك
خبر24
احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، يوم الخميس 23 أبريل 2026، ندوة وطنية علمية حول موضوع “الفلاحة المستدامة والمرنة وتحديات الجفاف بالمغرب: مقاربة جيوماتية ورقمية”، وذلك في إطار الأنشطة العلمية السنوية، من تنظيم شعبة الجغرافيا ومختبر المجال والتاريخ والإنسانيات الرقمية، وبمشاركة ثلة من الأساتذة الباحثين والخبراء وطلبة الدكتوراه، وتنسيق كل من ذ. الحسين بن الأمين وذ. أسماء بصير وذ. الحسين الخواجة.
وقد افتتحت أشغال هذه الندوة بكلمة للسيد عبد الهادي الصمدي، نائب العميدة المكلف بالبحث العلمي والتعاون، أكد فيها على أهمية انخراط الجامعة في القضايا الاستراتيجية الوطنية المرتبطة بالأمن الغذائي والتغيرات المناخية، باعتبارها رهانات مركزية تستدعي تعبئة البحث العلمي وتوجيهه نحو حلول عملية قابلة للتطبيق. كما أبرز ذ. الحسين الخواجة، رئيس شعبة الجغرافيا، في كلمته الافتتاحية، أهمية تعزيز الدينامية العلمية داخل الشعبة عبر الانفتاح على مختلف الفاعلين الأكاديميين والخبراء، بهدف الارتقاء بجودة البحث العلمي وتطوير أدواته المنهجية والمعرفية، في حين نوهت اللجنة المنظمة بالمشاركة الوازنة لعدد من الأساتذة والباحثين من مختلف المؤسسات الجامعية والبحثية، لما قدموه من إضافة نوعية للنقاش العلمي حول قضايا الفلاحة المستدامة.
وانطلقت الجلسة العلمية العامة بمداخلات علمية ركزت على الأبعاد الكبرى لإشكالية الجفاف والتغير المناخي، حيث تناول الأستاذ عبد العزيز باحو من المدرسة العليا للأساتذة بجامعة محمد الخامس بالرباط موضوع التغير المناخي المعاصر وتحديات الجفاف بالمغرب، مبرزاً انعكاساته المباشرة على الموارد المائية والإنتاج الزراعي، في سياق يتسم بتزايد الضغط على النظم البيئية. ومن جهته، سلط الدكتور طارق بن عبد الوهاب عن المعهد الوطني للبحث الزراعي (INRA) الضوء على مسألة المرونة الفلاحية والتقنيات الرقمية، موضحاً كيف أصبحت التكنولوجيا الحديثة أداة أساسية في دعم قدرة الفلاحين على التكيف مع ندرة المياه، من خلال حلول مبتكرة تعتمد على البيانات والتحليل الرقمي. كما قدمت الأستاذة كنزة أيت القاضي من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة عرضاً حول الجيوماتية الذكية والابتكار الرقمي في خدمة الفلاحة المستدامة، مؤكدة على الدور المتنامي لنظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي في تحسين تدبير المجال الفلاحي وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات المناخية.

ومع انتقال الأشغال إلى الجلسة العلمية الأولى، تم التركيز على مقاربات تطبيقية لآثار الجفاف على الفلاحة، حيث قدم ذ. الحسين الخواجة مداخلة تناول فيها دينامية الغطاء النباتي خلال فترات الجفاف الأخيرة بسهل الشاوية، اعتماداً على مؤشرات الاستشعار عن بعد، مبرزاً أهمية هذه الأدوات في رصد التحولات المجالية بدقة علمية عالية. كما تناول ذ. الحسين بن الأمين في مداخلته تداعيات الجفاف على النشاط الزراعي بإقليم آسفي، ورهانات الفلاحة المستدامة والمرنة في هذا السياق، مؤكداً على ضرورة توظيف المقاربات الجيوماتية في صياغة سياسات فلاحية أكثر استباقية وفعالية.
أما الجلسة العلمية الثانية فقد خصصت لمناقشة قضايا الحكامة المائية والتنمية الفلاحية المستدامة، حيث تطرقت مجموعة من المداخلات إلى سبل مواجهة ندرة المياه عبر اعتماد مقاربات مبتكرة قائمة على الرقمنة والتخطيط الترابي الذكي، مع التركيز على أهمية إدماج البعد العلمي في تدبير السياسات العمومية الفلاحية. وقد أجمع المتدخلون على أن التحديات المرتبطة بالجفاف لم تعد ظرفية، بل أصبحت بنيوية تستوجب تحولاً عميقاً في أنماط الإنتاج والتدبير.
وفي ختام أشغال هذه الندوة، تمت صياغة مجموعة من التوصيات العلمية التي دعت إلى تكثيف استخدام التقنيات الجيوماتية والرقمية في تدبير الموارد الفلاحية، وتوطين الفلاحة الدقيقة عبر دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل المعطيات الزراعية واستباق المخاطر المناخية، إلى جانب تطوير الحكامة المائية الرقمية للحد من الهدر وضمان استدامة الموارد المائية السطحية والجوفية. كما أوصت الندوة بضرورة التحول نحو أنظمة فلاحية مرنة قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية، من خلال تنويع الزراعات واعتماد أصناف مقاومة للجفاف، فضلاً عن اعتماد سياسات استباقية بعيدة المدى بدل التدخلات الظرفية، وتطوير منصات رقمية لتوفير المعطيات المناخية والفلاحية للفلاحين بشكل مباشر. كما شددت التوصيات على دعم البحث التطبيقي في مجال الجيوماتية والاستشعار عن بعد، وتثمين دور المختبرات الجامعية في إنتاج حلول مبتكرة تسهم في تعزيز صمود الفلاحة المغربية أمام تحديات الجفاف المتزايدة.
